دائمًا ما تضعنا الظروف الراهنة أمام خيارات صعبة؛ إما الانتظار العقيم لتدخلات الدولة المثقلة بجراح ما بعد الحرب، أو اجتراح الحلول من باطن الأزمة. وما حدث في مدينة كريمة، وتحديداً في “مربع 2″، هو نموذج عملي لما نسميه “المساندة الشعبية الواعية” التي تتجاوز مجرد التنظير إلى مربع الفعل الحقيقي.
افتتاح مكتبة الهدى العامة وسط ظلال جبل البركل التاريخي، ليس مجرد حدث ثقافي عابر أو إضافة لرفوف كتب غلفها الغبار، بل هو بمثابة “مطب” إيجابي في طريق الاستسلام لواقع الندرة وضيق ذات اليد. هو إعلان صريح بأن المجتمع المحلي حين يقرر القيادة، فإنه يردم الفجوات التي خلفتها التحديات الاقتصادية والأمنية.
المبادرة الشبابية.. كسر طوق “الاعتمادية”.
المطب الحقيقي الذي واجهه شباب المنطقة، وعلى رأسهم الدكتور محمود الفكي وفريقه، لم يكن في توفير الكتب، بل في “لوجستيات الإرادة”؛ رحلة البحث عن المكان، الصبر على شح الموارد، وتطويع الظروف لخلق صرح معرفي في توقيت يظن البعض فيه أن الأولوية للخبز وحده. هؤلاء الشباب أثبتوا أن “بناء العقول” هو الرصيد الاستراتيجي الذي لا ينفد، وأن المبادرة الفردية والجماعية هي المحرك الفعلي للتنمية في هذه المرحلة الحساسة.
ما بعد الافتتاح.. تحدي الاستدامة
رغم الاحتفاء الرسمي والمجتمعي البهيج، يبرز أمامنا التحدي الأكبر (المطب القادم): كيف نضمن ألا تقف هذه المكتبة عند حدود “القصص والروايات”؟ الطموح المعلن بتحويل هذه اللبنة إلى كلية ثم جامعة هو طموح مشروع، لكنه يحتاج إلى نفس طويل وتكاتف مستمر من “لجنة تطوير كريمة” والأجهزة النظامية والمجتمعية التي شهدت الافتتاح.
إن تحويل “مكتبة الهدى” إلى نواة لمشروع تعليمي ضخم يتطلب عبور مطبات البيروقراطية وضعف التمويل، بالاعتماد على ذات الروح التي أنجزت “اللؤلؤة الأولى” من بين ستين مبادرة موعودة.
رسالة من البركل
إن الدرس المستفاد من تجربة “مربع 2” هو أن الدولة لا تبنى من الأعلى فحسب، بل تُسند بأكتاف مواطنيها من الأسفل. حين تقرأ كريمة في عز أزمتها، فهي لا تمارس ترفاً فكرياً، بل تمارس أقصى درجات المقاومة للبقاء والتطور.
التحية لتلك السواعد التي لم تنتظر “الإعانة”، بل قدمت “المبادرة”، لتؤكد أن الطريق نحو نهضة الوطن يبدأ من تطهير عقول أبنائه بنور المعرفة.




