في طريقنا نحو الحداثة والانفتاح الرقمي، نصطدم بمطباتٍ لا تختبر وعينا فحسب، بل تختبر متانة قيمنا الاجتماعية والإنسانية. لعل آخر هذه “المطبات” هو التصريح الذي ضجت به المنصات لناشطة تطالب بمهرٍ فلكي (ثمانية ملايين دولار)، مبررة ذلك بامتلاكها لمزايا “غير موجودة عند غيرها”.
إن الإشكالية هنا لا تكمن في الرقم بحد ذاته، لكن “المطب” الحقيقي يكمن في عدة انزلاقات خطيرة:
1. فخ “التسليع” مقابل القيمة
عندما يتم ربط قيمة الإنسان برقم مالي، فإننا ننتقل من مربع “المودة والرحمة” إلى مربع “الصفقة التجارية”. الخطورة تكمن في ترويج فكرة أن “الفرادة” الشخصية لها ثمن مادي، وهو ما يحط من قدر القيمة الإنسانية بدلاً من إعلائها.
2. نرجسية “الاستحقاق المزيف”
أن تقول شابة إنها تملك ما لا تملكه أي فتاة أخرى، هو انعكاس لظاهرة “النرجسية الرقمية”. هذه المنصات تدفع البعض للاعتقاد بأنهم مركز الكون، مما يخلق جيلاً يرى الاستحقاق منوطاً بالشهرة والضجيج لا بالإنجاز الفعلي أو الأثر الأخلاقي والمهني.
3. ما هو المفترض أن يكون؟
بدلاً من تحويل “المهر” إلى أداة للتفاخر الرقمي، المفترض أن تظل قدسية العلاقة الزوجية بعيدة عن “الاستعراض”. إن الدور الحقيقي للمؤثرين يجب أن يتركز حول:
بناء الشراكة: القائمة على التكافؤ الفكري والروحي.
القدوة: في تبسيط الأمور وتيسير بناء الأسر في ظل ظروف اقتصادية ضاغطة.
التميز الحقيقي: الذي يُقاس بالعطاء والثقافة، لا بما يُودع في الحسابات البنكية.
4. المسؤولية الأخلاقية والمهنية
تلوث فكري: هذه التصريحات تتحول إلى “تلوث بصري وفكري” يُصدر الاستثناء على أنه قاعدة، مما يسبب إحباطاً للأسر البسيطة.
الميزان الغائب: المطب الأكبر هو انجراف الإعلام خلف هذه الأخبار ومنحها حيزاً من النقاش الجاد، مما يحول “اللا قيمة” إلى “قيمة”.
5. انفصال عن الواقع.. وتحدي الأرقام
لا يمكن قراءة هذه التصريحات بمعزل عن الواقع الاقتصادي؛ فبينما تكافح الأسر لمواجهة التضخم، يأتي هذا “الاستعراض الملياري” ليعكس حالة حادة من الانفصال عن الواقع، ويحول “الارتباط” إلى عبء مالي تعجيزي بدلاً من كونه سكناً واستقراراً.
6. من الهدم إلى البناء (الرؤية البديلة)
بدلاً من الانشغال بـ “كم سنقبض؟”، يجدر بنا التساؤل: “ماذا سنقدم؟”.
إن الاستثمار الحقيقي هو الاستثمار في بنية الوعي التحتية. فالمجتمعات لا تُبنى بالمهور الفلكية، بل بالعقول التي تدرك قيمة المسؤولية وبالشراكات التي تنهض في وجه الأزمات بروح التضامن والاعتدال.
نحو رصف جديد لوعينا المجتمعي
إن التباهي بالمهور المليارية ليس دليلاً على ثقة بالنفس، بل هو “صرخة استجداء” للفت الانتباه في غابة رقمية مزدحمة. إننا أمام مطبٍ قيمي يحتم علينا إعادة رصف طريق وعينا للتمييز بين:
القيمة: التي تسمو بالروح ولا تُقدر بثمن.
السعر: الذي يضعه البعض لذواتهم بحثاً عن “لحظة ضوء” عابرة.
اخيرا
المهر في مقاصده السامية هو “تكريمٌ للمودة” وليس “تسعيراً للذات”. لنعد إلى جادة الصواب، ولنجعل من منصاتنا جسوراً لبناء الأمة، فالمجتمعات التي تُبنى على القيم هي التي تصمد، أما التي تلهث خلف الأرقام، فتظل رهينة لبريق زائف لا يسمن ولا يغني من جوع.




