*منظمة الدعوة الإسلامية.. إعادة التموضع: قراءة في تحولات القيادة واستراتيجيات الاستجابة للأزمات د. محمد خليفة صديق*

تمر منظمة الدعوة الإسلامية بمرحلة تاريخية مفصلية، تجلت ملامحها في الاجتماع الطارئ لمجلس الأمناء المنعقد في الأول من مايو 2026. هذا الاجتماع لم يكن مجرد إجراء إداري روتيني، بل مثل “عملية جراحية مؤسسية” استهدفت حماية إرث المنظمة الممتد لأكثر من أربعة عقود، وإعادة صياغة دورها في ظل تعقيدات المشهد السوداني والإقليمي. بانتخاب السفير القطري السابق في السودان علي بن حسن الحمادي رئيساً لمجلس الأمناء، تدخل المنظمة مربع “إعادة التموضع” الذي يمزج بين الدبلوماسية الإنسانية والاحترافية الميدانية.
أولاً: أزمة القيادة والشرعية المؤسسية
كشف البيان الختامي للاجتماع عن حالة من الانسداد الهيكلي كانت تهدد فاعلية المنظمة. فالتجاوزات القانونية للنظام الأساسي لعام 2016، وفشل مساعي اللجنة الرباعية للوساطة، أدت إلى تصدع في الانسجام بين القيادة العليا والجهاز التنفيذي.
إن إعفاء الشيخ عبد الرحمن آل محمود لم يكن قراراً شخصياً بقدر ما كان استجابة لضرورات “الأمن المؤسسي”، حيث استشعر مجلس الأمناء خطورة انتقال الخلافات إلى الفضاء العام، مما قد يزعزع ثقة المانحين والشركاء الدوليين. في المقابل، جاء رفض استقالات نائب رئيس المجلس ورئيس مجلس الإدارة ليؤكد رغبة المنظمة في الحفاظ على “ذاكرتها الإدارية” وضمان انتقال سلس للسلطة تحت مظلة القيادة الجديدة.
ثانياً: رؤية السفير الحمادي.. نحو “دبلوماسية إنسانية” متطورة
يمثل اختيار السفير علي بن حسن الحمادي نقلة نوعية في فلسفة القيادة داخل المنظمة. فالحمادي لا يجلب معه فقط الخبرة الإدارية، بل يحمل ثقل “الدبلوماسية الإنسانية” التي تتقن فن الموازنة بين المتغيرات الدولية والاحتياجات المحلية.
في خطابه الأول، ركز الحمادي على مفهوم “روح الفريق الواحد” و”تعزيز التعايش والتسامح”، وهي رسائل موجهة ليس فقط للداخل التنظيمي، بل للمجتمعات الأفريقية التي تنشط فيها المنظمة، مؤكداً أن المرحلة المقبلة تتطلب مرونة فائقة لمواكبة التطورات الدولية في مفهوم الممارسة التطوعية.
ثالثاً: محاور استراتيجية إعادة التموضع
تستند الاستراتيجية الجديدة للمنظمة إلى ثلاثة أعمدة رئيسية تشكل في مجملها خارطة طريق للخروج من تداعيات الحرب في السودان وإعادة بناء الدور الريادي:
*1. الإدارة الذكية للأصول (التحصين المالي):*
في ظل التدهور المادي وتذبذب أسعار الصرف، تبرز الحاجة إلى “التوثيق الرقمي السحابي” والجرد الشامل للأصول داخل وخارج السودان. إن تقييم الأصول بالذهب أو العملات الصعبة ليس مجرد إجراء مالي، بل هو “أداة تحوط” استراتيجية تضمن للمنظمة استدامة التمويل الذاتي، وتجهيز ملفات قانونية متكاملة لطلب التعويضات المستقبلية عن الأضرار التي لحقت بمقارها.
*2. ثورة “البلوكشين” في العمل الإغاثي:*
يمثل المقترح الخاص باستخدام تقنية Blockchain لتتبع مسار المساعدات قفزة في معايير الشفافية. هذا التوجه يسعى لكسر قيود البيروقراطية التقليدية وبناء “جسور ثقة” صلبة مع المنظمات الدولية (مثل WFP وUNHCR). الهدف هنا هو تحويل الذراع الإغاثي من مجرد “موزع للمؤن” إلى “شريك استراتيجي” يعتمد على البيانات المحدثة وخرائط الاحتياجات الدقيقة.
*3. صمام الأمان التعليمي:*
تدرك المنظمة أن خطر “ضياع جيل” في السودان يفوق خطر الدمار المادي. لذا، فإن التركيز على التعليم البديل والإلكتروني، وتوفير حوافز للمعلمين المتطوعين، يعكس رؤية بعيدة المدى تهدف إلى بناء الإنسان بالتوازي مع إغاثة الأبدان. إن ربط التعليم بالمهارات المهنية السريعة يوفر حلولاً اقتصادية عاجلة للشباب النازحين، مما يقلل من حدة الآثار الاجتماعية للحرب.
رابعاً: العودة إلى السودان.. دلالات المقر
يعد قرار الترحيب بعودة رئاسة المنظمة إلى دولة المقر وعاصمتها الخرطوم وتوجيه الأمانة العامة بوضع برنامج لإعادة تأهيل المقر، رسالة سياسية وإنسانية بالغة الأهمية. فهي تؤكد على تلازم مصير المنظمة مع استقرار السودان، وتجسد التزامها بمواجهة التحديات من قلب الميدان وليس عبر الإدارة عن بُعد. هذه العودة تمنح المنظمة “الشرعية الأخلاقية” لقيادة جهود إعادة الإعمار ما بعد النزاع.
خاتمة
إن “إعادة التموضع” التي تنشدها منظمة الدعوة الإسلامية تحت قيادة السفير علي بن حسن الحمادي، ليست مجرد تغيير في الهيكل التنظيمي، بل هي إعادة صياغة للهوية الإنسانية والدعوية للمنظمة لتصبح أكثر استجابة لواقع معقد. إن تكاتف مجلس الأمناء، ووضوح الرؤية الاستراتيجية، والاعتماد على التقنيات الحديثة، هي الأدوات التي ستمكن المنظمة من التحول من “إدارة الأزمات” إلى “صناعة الأمل” في القارة الأفريقية والسودان.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole