طبيب جعل من الإنسانية منهجا، ومن خدمة الناس رسالة، فاستحق أن يسكن القلوب قبل الذاكرة
بعض الناس يمرون في الحياة مرورا عابرا، كغيمة لا تترك أثرا، وبعضهم يأتون إليها كالمطر، أينما حلوا أزهرت الأرض واخضرت القلوب.
ومن هؤلاء الذين كتب الله لهم القبول في الأرض، الدكتور معتز محمد الأمين أوشي، ذلك الرجل الذي لم يصنع مجده بمنصب أو لقب، وإنما صنعه بمحبة الناس، وبما زرعه من خير في النفوس قبل المؤسسات.
هو ابن أرض المحس العريقة، ابن الجروف التي تعلمت من النيل معنى العطاء، ومن النخيل معنى الثبات. خرج من بيت عرف العلم والتربية والفضيلة، فوالده الأستاذ الجليل محمد الأمين أوشي، مربي الأجيال وصانع الرجال، وأحد التربويين الذين تتلمذوا في رحاب الأزهر الشريف ونالوا درجة الماجستير من جمهورية مصر العربية، كما تنتمي الأسرة إلى إرث علمي ودعوي عريق ارتبط بأسماء مشهود لها بالعلم والورع والأدب، أمثال الشيخ عبدالله أوشي، ومحمد أوشي، وعثمان أوشي رحمهم الله جميعا.
ومن تلك الجذور الطيبة نما معتز، فكان امتدادا طبيعيا لشجرة وارفة الظلال، أصلها ثابت وفرعها في السماء.
ولم يكن هذا الحضور الإنساني وليد الصدفة، بل كان ثمرة رحلة علمية ومهنية طويلة. فقد تلقى تعليمه بمدينة دنقلا، ثم التحق بكلية الطب بجامعة دنقلا التي تخرج فيها طبيبا، واضعا أولى خطواته في طريق اختاره عن قناعة ومحبة. وبعد تخرجه واصل تطوير قدراته العلمية بدراسة دبلوم العناية المكثفة، إلى جانب عدد من الدورات التخصصية في الإنعاش الأساسي والمتقدم، والعناية المركزة، ومكافحة العدوى، وإدارة الكوارث واقتصاديات المستشفيات.
وعلى الصعيد المهني، بدأ مسيرته بالمستشفى التخصصي بدنقلا خلال الفترة من 2011 إلى 2013، ثم انتقل إلى مستشفى الغابة بين عامي 2014 و2016، قبل أن يعود إلى المستشفى التخصصي بدنقلا مديرا طبيا ومديرا عاما مكلفا حتى عام 2019. ومنذ ذلك العام ارتبط اسمه بمستشفى عبري مديرا طبيا، حيث قاد واحدة من أبرز مراحل التطوير التي شهدها المستشفى في تاريخه الحديث.
دخل كلية الطب وفي قلبه حلم أكبر من وظيفة، وأعمق من شهادة؛ حلم أن يكون طبيبا يداوي الإنسان قبل المرض، ويمنح المريض الأمل قبل الدواء.
فكان كما أراد.
لم يعرفه الناس في عبري مديرا طبيا فحسب، بل عرفوه أخا وأبا وصديقا وسندا. عرفوه وجها بشوشا لا تغادره الابتسامة، وقلبا مفتوحا للجميع، لا يفرق بين كبير وصغير، ولا بين موظف وعامل، ولا بين مريض وفقير.
كان يؤمن أن المستشفى بيت واحد، وأن خدمة الإنسان رسالة جماعية، فصنع من روح الفريق ثقافة، ومن الاحترام المتبادل منهجا، ومن الإنسانية لغة يتحدث بها الجميع.
ولأن الرجال يعرفون في ميادين العمل، فقد كان للدكتور معتز أوشي سهم وافر في أكبر نهضة شهدها مستشفى عبري في تاريخه الحديث.
وقف مع مجلس الأمناء والخيرين وأبناء المنطقة وقفة الرجال، فكانت نفرة عبري ملحمة حقيقية من ملاحم العطاء. تغيرت المباني، وتطورت الأقسام، وتجددت الأجهزة، وتوسعت الخدمات، لكن الإنجاز الأكبر كان ذلك الإحساس الذي عاد إلى الناس بأن أحلامهم قابلة للتحقق إذا صدقت النوايا.
كان يتابع التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة، ويمنح وقته وجهده دون حساب، حتى صار اسمه مقترنا بكل لبنة خير وضعت في هذا الصرح الطبي.
ولعل أعظم ما ناله الرجل ليس منصبا ولا شهادة تقدير، بل تلك المكانة التي حجزها في قلوب الناس.
فحين احتشدت جماهير السكوت وعبري لاستقباله بعد عودته، لم يكن المشهد استقبالا لشخص عاد من إجازة، بل كان استفتاء شعبيا نادرا على محبة رجل.
خرج الشيوخ والشباب، الرجال والنساء، يحملون في أعينهم الامتنان وفي قلوبهم الوفاء، وكأنهم يقولون بصوت واحد:
إن من يخدم الناس بإخلاص، لا يغيب عن قلوبهم أبدا.
وحين قال كلمته التي لامست القلوب: “عبري أصبحت قبري”، لم تكن عبارة عابرة، بل عهد محبة وانتماء اختصر سنوات من البذل والعطاء والوفاء.
لقد حاولت بعض الأصوات أن تعكر صفو هذا المشهد الجميل، لكن محبة الناس كانت أعلى من كل الضجيج، وأقوى من كل المصالح الضيقة.
فالقبول نعمة لا تصنع، والمحبة رزق لا يشترى، والصدق نور لا تحجبه الغيوم.
وإذا كان النجاح يصنعه الفرد، فإن الثبات عليه تصنعه الأسرة. وقد وجد الدكتور معتز في شريكة حياته الدكتورة نسيبة عبد المنعم صالح، أخصائية النساء والتوليد، سندا وعونا في مسيرة العطاء. وقد أسهمت هي الأخرى في تأسيس وتطوير خدمات النساء والتوليد بمستشفى عبري، وقدمت جهدا مقدرا شهد به الجميع، فاستحقت كل تقدير واحترام.
يا دكتور معتز…
لقد أثبت أن الإدارة أخلاق قبل أن تكون قرارات، وأن الطب رحمة قبل أن يكون علما، وأن خدمة الناس طريق مختصر إلى القلوب.
فلك من أهلك في السكوت وعبري ومن كل من عرفك، صادق الدعوات وجميل الثناء.
ونسأل الله أن يبارك في عمرك وعملك، وأن يجعل ما قدمته في ميزان حسناتك، وأن يكتب لك منازل الصادقين الذين أحبهم الناس لصدقهم، وأحبهم الله لإخلاصهم.
وسيظل اسم معتز أوشي في ذاكرة عبري عنوانا للإنسانية، وفي وجدان أهلها قصة تروى، وفي صفحات الوفاء سيرة عطرة لا يطويها الزمن.
قد يرحل المسؤول من موقعه، وقد تتبدل المناصب والألقاب، لكن الرجال الذين يسكنون قلوب الناس يبقون حيث لا تصل يد الزمن، ويبقى معتز أوشي واحدا من أولئك الذين اختارتهم المحبة قبل أن يختارهم الناس.




