أختلف مع الأستاذ عادل الباز في نقطة جوهرية،فالمشكلة في السودان اليوم ليست أن المراجع العام أخفى تقريره، ولا أن الصحافة لم تحصل على وثيقة المراجعة، بل إن المشكلة أعمق من ذلك بكثير،فما الذي سيفعله تقرير المراجع العام أصلًا؟
سيكشف لنا شركات خاسرة، وبنوكًا متعثرة، ومديونيات مجهولة المصير، ومجالس إدارات تتقاضى مخصصات ضخمة، وهي كلها قضايا مهمة بلا شك،لكن السؤال الحقيقي: هل هذه هي مراكز القوة المالية الحقيقية في السودان اليوم؟
الحقيقة أن الدولة نفسها لم تعد تُدار بالكامل عبر مؤسساتها الرسمية المعروفة حتى يصبح تقرير المراجع العام مرآة كاملة للفساد،فهناك كيانات ومراكز نفوذ اقتصادية ومالية ضخمة تعمل خارج الإطار التقليدي للمؤسسات الحكومية، وتمارس أنشطة واستثمارات بمليارات الدولارات، بينما تبقى بعيدة عن أي رقابة حقيقية أو مساءلة عامة.
إذا كان الحديث عن الفساد الجاد، فليكن الحديث عن الملفات التي لا يقترب منها أحد. وليكن السؤال: من يسيطر على الذهب؟ ومن يدير عائداته؟ ومن يملك الشركات التي تعمل خارج الموازنة العامة؟ ومن يراقب المؤسسات الاقتصادية التابعة للأجهزة الأمنية والعسكرية التي تحولت خلال الثلاثة سنوات الماضية إلى إمبراطوريات مالية واستثمارية كاملة؟
خذوا مثال منظومة الصناعات الدفاعية،فهذه المنظومة لم تعد مجرد مؤسسة تعمل في مجال التصنيع العسكري، بل تحولت إلى كيان اقتصادي ضخم متعدد الأنشطة.فهي اليوم تبيع الذهب وتصدره إلى الخارج في دور كان يفترض أن تضطلع به مؤسسات الدولة المالية وعلى رأسها بنك السودان،كما تنشط في التجارة والاستيراد والتصدير والمواد الغذائية، وتتحرك في سوق النقد الأجنبي، وتشتري العملات الصعبة خارج القنوات الرسمية، فضلًا عن تأسيس الشركات والاستثمارات الخارجية في الصين وعُمان وتركيا وغيرها من الدول.
ولم يتوقف تمددها عند ذلك، بل أصبحت لاعبًا رئيسيًا في سوق العقارات، تشتري القصور المطلة على النيل، والعمارات السكنية والتجارية، والمزارع والأصول العقارية بملايين الدولارات، وتنافس الشركات الخاصة في قطاعات الغذاء والزراعة والتجارة والخدمات،كما تتمتع بامتيازات وإعفاءات جمركية وضريبية تمنحها أفضلية لا تتوافر لمعظم الفاعلين الاقتصاديين الآخرين، الأمر الذي جعلها تتحول تدريجيًا إلى إمبراطورية اقتصادية متشعبة تمتد من الذهب والتجارة الخارجية إلى العقارات والاستثمارات والأصول الاستراتيجية داخل السودان وخارجه.
وهنا لا يعود السؤال متعلقًا بالفساد التقليدي أو سوء الإدارة، بل بطبيعة المشروع الذي يجري بناؤه خلف هذه الأنشطة،فما الذي يدفع جهة واحدة إلى تجميع هذا القدر الهائل من الموارد والأصول والاستثمارات داخل السودان وخارجه؟ ولماذا تتجمع مليارات الدولارات خارج الموازنة العامة للدولة وخارج أي رقابة مؤسسية حقيقية؟
إن ما يحدث يوحي بأن الأمر يتجاوز النشاط الاقتصادي المعتاد إلى بناء مركز مالي موازٍ للدولة نفسها؛ مركز تتجمع فيه موارد الذهب والتجارة والاستثمارات الخارجية والشركات العابرة للحدود، بعيدًا عن أعين المؤسسات الرقابية المعروفة،والسؤال الأخطر: هل الغرض من كل ذلك اقتصادي فقط، أم أن هناك سعياً لتكوين كتلة مالية هائلة أشبه بصندوق سيادي خاص بمركز السلطة، تُستخدم لتأمين النفوذ وإسناد مشروع سياسي وسلطوي طويل الأمد؟
هذه هي الأسئلة التي تستحق المطاردة.
ولهذا فإن الحديث عن الفساد لا ينبغي أن ينحصر في دفاتر الشركات الحكومية الصغيرة أو حسابات البنوك المتعثرة أو تقارير المراجعة السنوية، بل يجب أن يتجه إلى حيث تتجمع الثروة الحقيقية ومراكز القوة الحقيقية،فالفساد الحقيقي ليس في مؤسسة حكومية خسرت بضعة ملايين أو بنك تعرض للنهب فحسب، بل في قيام مراكز مالية واقتصادية ضخمة تعمل فوق الدولة وخارج رقابتها وتحتكر مواردها الاستراتيجية.
من هنا أرى أن مطاردة تقرير المراجع العام، على أهميتها، لا تمثل سوى الاقتراب من الأطراف،أما قلب القضية فيبقى بعيدًا عن الضوء. وإذا أراد الصحفيون والكتاب والإعلاميون خوض معركة حقيقية ضد الفساد، فعليهم أن يقتربوا من الملفات التي لا يريد أحد الاقتراب منها، وأن يطرحوا الأسئلة التي لا يريد أصحاب النفوذ سماعها.
أما الاكتفاء بمطاردة ما تسمح السلطة بكشفه، وتجاهل ما تمنع الاقتراب منه، فليس مكافحة للفساد بقدر ما هو إدارة للنقاش داخل الحدود المرسومة سلفًا،ولذلك فإن أي حديث عن الفساد يتجنب الاقتراب من هذه الملفات الكبرى يبقى حديثًا ناقصًا، مهما كانت نواياه حسنة، لأنه ينشغل بالفروع ويترك الجذور.
فالسؤال الحقيقي اليوم ليس: لماذا لم ينشر المراجع العام تقريره؟
بل: لماذا لا تُفتح الملفات التي لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها؟ ولماذا يُطلب من الناس الانشغال بما يدور في أطراف المشهد، بينما يبقى مركز الثروة والسلطة بعيدًا عن المساءلة؟
إن من يريد محاربة الفساد حقًا، لا يبدأ من هوامشه، بل من قلبه.
وهناك، في ذلك المكان الذي لا يجرؤ كثيرون على الاقتراب منه، تبدأ القصة الحقيقة للفساد في السودان




