*مطبّات طريق».. والكهرباء «الأفضل» في السوق المركزي! ​بقلم: وداد الماحي*

​حين يترجل المسؤول من صالونه الوارف ليطأ إسفلت الأسواق المتهالك، تكتسب السياسة بُعداً آخر؛ بُعداً تفوح منه رائحة التوابل، وتتعالى فيه أصوات الباعة، وتظهر فيه “المطبات” على حقيقتها دون مساحيق تجميلية. هذا تماماً ما تجسده الجولات التفقدية الأخيرة التي تقودها القيادات التنفيذية، وعلى رأسها والي ولاية الخرطوم الأستاذ أحمد عثمان حمزة، إلى قلب السوق المركزي؛ ذلك الشريان الحيوي المنهك.
​الزيارة لم تكن مجرد نزهة بروتوكولية، بل جاءت لتصطدم مباشرة بأكبر “مطبّ” يؤرق حركتنا التجارية والحياتية اليوم: معضلة الإمداد الكهربائي. إن التوجيهات الفورية الصادرة بضرورة الإسراع في إعادة التيار، والتعهد بأن تكون الخدمة “أفضل مما كانت عليه”، يمثلان اعترافاً صريحاً بأن دوران عجلة الحياة الطبيعية ومعاش الناس رهين باستقرار هذه الخدمة الحيوية. فالكهرباء في السوق المركزي ليست رفاهية لتشغيل الإضاءة، بل هي صمام الأمان لمنع تلف قوت المواطن وسلعه الأساسية، والحد من اشتعال الأسعار الذي يدفعه تاجر التجزئة والمستهلك مع كل ساعة ظلام.

​لكن، ودعونا نتحدث بصراحة “مطبات طريق”، إن إطلاق الوعود والتوجيهات يشبه تماماً وضع إشارات تحذيرية قبل المنعطفات الخطرة؛ خطوة ممتازة لحمايتنا، لكنها لا تكفي إن لم يتبعها رصف حقيقي للطريق. المطب الحقيقي الذي تتكسر عنده آمال المواطنين دائماً هو “عقبة التنفيذ” والبطء البيروقراطي في متابعة تلك التوجيهات مع شركات الكهرباء والبلديات. شعار المرحلة “المواطن أغلى ما نملك” هو أثمن ما يمكن أن تُبنى عليه خطط الاستقرار، بشرط ألا يتحول هذا المواطن “الغالي” إلى مجرد متلقٍ لوعود مؤجلة، يراوح مكانه وسط سوق تعوقه العشوائية وتخنق حركته الحفر.

​ولا يمكننا الحديث عن مطبات التيار الكهربائي دون الالتفات إلى “المطب الموازي” الذي ينهك كاهل التجار والمستهلكين معاً؛ وهو مطب أزمة الوقود وتكلفة المولدات الخاصة. إن استمرار انقطاع التيار يجبر أصحاب المحلات والمخازن على الاعتماد التام على المولدات، مما يعني استهلاكاً إضافياً للوقود الذي يشهد هو الآخر أزمات متلاحقة في الوفرة والأسعار. هذه الدائرة المفرغة من المصاريف التشغيلية لا يتحملها التاجر وحده، بل تُترجم فوراً وزيادةً باهظة في أسعار الخضروات، واللحوم، والسلع التموينية التي يشتريها المواطن البسيط. لذا، فإن الإسراع في صيانة الشبكة ليس مجرد معالجة هندسية، بل هو إنقاذ سريع للقوة الشرائية للمواطن.

​وما يزيد من عمق هذا المطب ويمتحن جدية التوجيهات، هو أننا نقف اليوم على أعتاب فصل الصيف؛ حيث تبلغ درجات الحرارة ذروتها، ويتضاعف الضغط على شبكات الإمداد المتهالكة أصلاً. الصيف في أسواقنا ليس مجرد طقس حار، بل هو اختبار حقيقي لوعود الصيانة، والامتحان الأكبر لخطط الطوارئ بوزارة الطاقة. إن المواطن والتاجر لا يريدون حلولاً إسعافية تنقطع مع أول موجة حر، بل يتطلعون لشبكة صلبة تقاوم ضغط الموسم، وتثبت أن التخطيط كان أعمق من مجرد استهلاك إعلامي.
​والحديث عن أن “المواطن أغلى ما نملك” يستدعي بالضرورة مراجعة “فاتورة” هذا الغلاء التي يدفعها المواطن نفسه من جيبه يومياً؛ فالمواطن يكون غالياً حقاً عندما تحميه القرارات من جشع الأسواق، وتوفر له الدعم والخدمات الأساسية بأسعار تناسب دخله المنهك، لا عندما يُترك وحيداً يصارع موجات الغلاء والرسوم ومطبات التضخم. غلاء قيمة المواطن عند حكومته يجب أن يترجم إلى “تخفيف الأعباء” عنه، وليس مجرد لافتة عاطفية تُرفع في المناسبات.
​ثم إن معالجة ملف الكهرباء وتنظيم السوق لا يمكن فصلهما عن “مطب” أكبر ينتظرنا على رصيف الأيام القادمة؛ وهو مطب البنية التحتية ومصارف الأمطار مع اقتراب فصل الخريف. إن إعادة التيار الكهربائي دون تهيئة حقيقية للمصارف وتعبيد الطرقات الداخلية للسوق المركزي قد يتحول من خطوة خدمية إلى خطورة حقيقية؛ فالتاريخ القريب يذكرنا بكوارث اختلاط مكشوف لأسلاك الكهرباء بمياه الخريف الراكدة في قلب الأسواق المكتظة. لذا، فإن النظرة الشاملة لتهيئة السوق تقتضي التنسيق الاستباقي بين هيئة الصرف الصحي، وشركات الكهرباء، والبلديات، حتى لا تبتلع حفر الخريف إنجازات الصيف.
​وعلى الجانب الآخر، فإن تهيئة بيئة السوق وإعادة تنظيمه لا تقع على عاتق الجهات الرسمية وحدها، بل هي “مسؤولية تضامنية” تتطلب من قطاع التجار والمواطنين إدراك أن منع الفوضى والعرض العشوائي مساهمة حقيقية في العبور بالبلاد إلى مظهر حضاري مستقر. الكُرة الآن في ملعب الجهات التنفيذية والوزارات المختصة لتثبت أن “الكهرباء الأفضل” وتنظيم الأسواق ليست مجرد مانشيتات صحفية عابرة تملأ الأسافير، بل واقع ملموس يضيء المحلات وينعش حركة البيع والشراء

​مخرج طوارئ:
الخطوات الميدانية تمنح الشارع جرعة من التفاؤل، لكن العبرة دائماً بالخواتيم وبآليات الرقابة المستمرة. نأمل أن تعبر هذه التوجيهات الخدمية مطبات التنفيذ بسلام، ليرى المواطن ترجمة حقيقية لقيمته على أرض الواقع.. فـ “الغالي” يستحق دائماً جهداً يوازيه، وأفعالاً تُصدّقها الأيام.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole