تتجه الأنظار في متابعة الصراعات والنزاعات المسلحة نحو جبهات القتال والمواجهات المباشرة، غير أن الواقع الاستراتيجي يُثبت أن شبكات التمويل والاقتصاد الموازي في اليمن، والسودان، والعراق تُشكل الخطورة الأكبر. فهذه المنظومات المالية تضمن استدامة الميليشيات واستقلالها المالي بعيدًا عن سلطة الدولة، مما يجعل ضرب أجنحتها العسكرية غير كافٍ دون تجفيف شرايينها المالية.
تعتمد هذه الجماعات على أدوات مالية محددة لبناء نفوذها واستدامته:
* الشركات الصورية وغسيل الأموال: تأسيس واجهات تجارية في مجالات المقاولات، والاستيراد، والخدمات المالية لشرعنة الأموال، وتدوير العوائد في أصول عقارية وإقليمية لتوليد تدفقات مستمرة.
* التهريب والجباية الموازية: تهريب الموارد الثمينة كالذهب والنفط عبر منافذ غير خاضعة للرقابة، فرض إتاوات وضرائب غير قانونية على التجارة المحلية وسلاسل الإمداد.
* التغلغل في الاقتصاد الرسمي: السيطرة على الموانئ، والمنافذ البرية، وشركات استيراد السلع الأساسية (كالوقود والغذاء) لاحتكار السوق وفرض أسعار مضاعفة تحت غطاء رسمي.
* المصارف البديلة والشبكات الموازية: الاعتماد على شبكات الحوالة المالية غير الرسمية ومكاتب الصرافة لتمرير صفقات ضخمة بعيدًا عن رقابة نظام “سويفت” (SWIFT).
* الملاذات المالية والوسطاء: تحويل الأموال عبر مراكز مالية إقليمية واستخدام وسطاء متعددين لتفكيك الأثر المالي وتصعيب تتبعه استخباراتيًا.
* الأصول الرقمية: الاستفادة من العملات المشفرة لنقل الدعم المالي وتجاوز العقوبات الدولية بسرعة وخفاء.
خريطة مقرات الشبكات وجنسيات الفاعلين
تتوزع المقرات التشغيلية لهذه الكيانات بين الساحات المحلية ومراكز المال الإقليمية، وتدار عبر واجهات محلية ووسطاء أجانب لتفادي العقوبات:
| الساحة | مقرات الكيانات والشركات الواجهة | جنسيات المالكين والوسطاء |
|—|—|—|
| اليمن (الحوثيون) | محليًا: صنعاء والحديدة (شركات صرافة وتدفقات نفط).
إقليميًا ودوليًا: سلطنة عمان، الإمارات، تركيا، والصين. | يمنيون (رجال أعمال وقيادات صوريون)، إيرانيون، ووسطاء تجاريون من جنسيات إقليمية. |
| السودان (الدعم السريع/الفصائل) | محليًا: الخرطوم ودارفور (شركات التعدين والتجارة).
إقليميًا: الإمارات، تشاد، وليبيا. | سودانيون (قيادات وعوائل تجارية)، روس (شبكات أمنية/فيلق أفريقيا)، ووسطاء إقليميون. |
| العراق (الجماعات المسلحة) | محليًا: بغداد والبصرة (مكاتب صرافة، مقاولات، واستيراد).
إقليميًا: إيران، لبنان، والإمارات. | عراقيون (واجهات تجارية حشرية)، إيرانيون، ولبنانيون (مرتبطون بشبكات التمويل الإقليمية). |
إن تقويض هذه الكيانات يتطلب حصارًا ماليًا استباقيًا يدمج بين الاستخبارات المالية، وتتبع سلاسل توريد الموارد كالذهب والنفط، وفرض عقوبات صارمة على شبكات الوساطة والشركات الصورية. وبدون تفكيك هذا الشريان الخفي، ستظل الحلول العسكرية مجرد معالجة مؤقتة للأعراض.
د.فرج وافي الخنفري




