في الوقت الذي كانت فيه الحرب تضرب مؤسسات الدولة وتدفع ملايين السودانيين إلى النزوح، كان السؤال الأكبر أمام السلطة القضائية: كيف يمكن أن يستمر القضاء عندما تتوقف المحاكم، وتتشتت الكوادر، وتهدد الحرب السجلات والمقار؟
في قلب هذه الأزمة، وجد مولانا عبدالعزيز فتح الرحمن عابدين نفسه أمام واحدة من أعقد مهام رئاسة القضاء في تاريخ السودان الحديث؛ مسؤولية الحفاظ على مؤسسة العدالة في بلد يعيش حرباً مفتوحة، بينما تتعرض بنيته المؤسسية واللوجستية لضغوط غير مسبوقة.
ومن هنا، فإن قراءة تجربة عبدالعزيز عابدين لا ينبغي أن تنفصل عن الظروف التي أحاطت بها.
*من حصار القيادة العامة إلى إعادة ترتيب القضاء*
كان رئيس القضاء ضمن المحاصرين في القيادة العامة خلال بدايات الحرب، قبل أن يتمكن من الوصول إلى عطبرة، ومنها واصل إدارة شؤون السلطة القضائية.
لم تكن المهمة مجرد إصدار توجيهات إدارية من مقر جديد، بل إعادة ترتيب جهاز قضائي تفرقت أطرافه بين مناطق الحرب والنزوح، وإيجاد مسارات تضمن استمرار العدالة في الولايات التي سمحت أوضاعها الأمنية بذلك.
وتحت هذه الظروف، اتجهت السلطة القضائية إلى إعادة تشغيل وتأهيل عدد من المحاكم، وشملت الجهود محاكم في ولاية الخرطوم، إلى جانب محاكم في ولايتي الجزيرة وسنار، مع العمل على استعادة النشاط القضائي تدريجياً في المناطق المستقرة.
*سجلات الأراضي.. معركة أخرى لحماية حقوق المواطنين*
بعيداً عن قاعات المحاكم، كانت هناك معركة لا تقل أهمية: السجلات والوثائق.
فسجلات الأراضي والتوثيقات ليست أوراقاً إدارية عابرة؛ إنها مستندات ترتبط مباشرة بملكية المواطنين وحقوقهم.
ولهذا اكتسبت عملية استعادة وتنظيم السجلات والبيانات العقارية والتوثيقية أهمية خاصة خلال الحرب، في ظل المخاطر التي فرضتها الظروف الأمنية على المؤسسات الحكومية.
وتمضي السلطة القضائية في إعادة تسجيلات الأراضي واستعادة الخدمات ذات الصلة في عدد من مناطق السودان، ضمن جهود إعادة بناء العمل المؤسسي.
*القاضي والموظف.. الوجه الآخر للأزمة*
الحرب لم تستهدف المباني وحدها؛ فقد وضعت القضاة والموظفين وأسرهم أمام واقع النزوح وفقدان مصادر الاستقرار.
وفي هذا الملف، ارتبطت قيادة عبدالعزيز عابدين بجهود لمتابعة أوضاع القضاة والعاملين الذين نزحوا داخل السودان وخارجه، إلى جانب تنظيم عمليات تفويج ونقل للعاملين إلى مواقع إقامتهم، وتقديم دعم تمويني للعاملين في ظل ظروف معيشية بالغة الصعوبة.
وبعد سقوط ولاية الجزيرة، برزت الحاجة بصورة أكبر إلى متابعة أوضاع القضاة وأسرهم الذين اضطروا إلى مغادرة مناطقهم، وهو تحدٍ وضع المؤسسة أمام مسؤولية إنسانية وإدارية في آن واحد.
*المحامون يدخلون دائرة الحل*
وفي محاولة لتسهيل الإجراءات القانونية، اتجهت السلطة القضائية إلى منح المحامين صلاحيات في مجال التوثيق، بما يتيح إنجاز بعض المعاملات القانونية بصورة أكثر مرونة ويخفف الضغط على المؤسسات القضائية.
وهذه الخطوة، إلى جانب إعادة ترتيب العمل في الولايات، تعكس اتجاهاً نحو البحث عن حلول عملية تضمن عدم توقف الخدمات العدلية بالكامل بسبب الحرب.
*القضاء يغادر المركز*
أحد أبرز ملامح المرحلة هو اتساع الاهتمام بالمؤسسات القضائية خارج الخرطوم.
ففي ظل النزوح وتغير مراكز السكان، أصبحت الحاجة إلى قضاء قريب من المواطنين أكثر إلحاحاً، ولذلك برزت جهود لإنشاء وتأهيل محاكم ومؤسسات عدلية في عدد من الولايات الآمنة.
ومن بين المشروعات التي ارتبطت بهذه المرحلة محكمة عطبرة ومحكمة كريمة، إلى جانب ترتيبات لإنشاء وتشغيل محاكم استئناف ومحاكم عليا في عدد من الولايات.
وهنا تظهر صورة مختلفة للقضاء في زمن الحرب: مؤسسة لا تنتظر عودة الظروف إلى طبيعتها حتى تبدأ العمل، وإنما تحاول إعادة تشكيل انتشارها بما يتناسب مع الواقع الجديد.
*هل يكفي أن تبقى المؤسسة قائمة؟*
قد يختلف الناس في تقييم أداء أي مسؤول، وهذا حق طبيعي في الشأن العام، لكن تجربة عبدالعزيز عابدين تحتاج إلى قراءة تتجاوز الانطباعات الشخصية.
السؤال الحقيقي ليس فقط: كم محكمة أُعيد تشغيلها؟ وكم مبنى تم تشييده؟
السؤال الأعمق هو: هل استطاعت السلطة القضائية أن تحافظ على وجودها المؤسسي، وأن تحمي سجلاتها، وأن تعيد توزيع كوادرها، وأن تواصل تقديم العدالة في بلد مزقته الحرب؟
هذه هي الزاوية التي تجعل تجربة رئاسة القضاء خلال هذه المرحلة جديرة بالقراءة.
ففي الظروف الطبيعية، تكون إدارة القضاء مسؤولية مؤسسية كبيرة؛ أما في زمن الحرب، فإن الحفاظ على المؤسسة نفسها يصبح تحدياً مضاعفاً.
*ما يبقى بعد الحرب*
عبدالعزيز عابدين ليس أول رئيس قضاء يواجه تحديات، ولن يكون الأخير، لكن الفترة التي قاد فيها السلطة القضائية فرضت عليه ظروفاً استثنائية ستظل جزءاً من تاريخ القضاء السوداني.
وفي النهاية، لن يكون تقييم هذه المرحلة رهناً بالمقالات أو التصريحات وحدها، بل بما ستكشفه السنوات المقبلة من قدرة المؤسسات التي أُعيد تشغيلها، والسجلات التي جرى الحفاظ عليها، والمحاكم التي استمرت، والخدمات العدلية التي وصلت إلى المواطن.
فالتاريخ لا يحفظ فقط أسماء من جلسوا على مقاعد المسؤولية، وإنما يحفظ أيضاً ما الذي حدث للمؤسسات التي تسلموها عندما كانت البلاد تمر بأصعب أوقاتها.
وفي حالة القضاء السوداني، يبقى السؤال مفتوحاً أمام المستقبل:
هل نجحت المؤسسة في عبور العاصفة وهي محتفظة بهيكلها ودورها؟
الإجابة الكاملة لن تكون في الحاضر وحده، وإنما ستكتبها نتائج هذه المرحلة وما ستتركه للأجيال القادمة.




