“عزُّنا بطبعِنا” ليست عبارةً تُقال في لحظة حماس، ولا شعارًا يُرفع في مواسم الاحتفال ثم يُطوى مع انطفاء الأضواء، إنها خلاصةُ هويةٍ متجذّرة، وميراثُ كرامةٍ توارثته الأجيال كما يُورَّث الدم والنسب. هي نبضٌ يسري في وجدان هذا الشعب الكريم، يُرى قبل أن يُسمع، ويُلمس قبل أن يُنطق، ويشهد عليه كلُّ من وطئت قدماه ثرى المملكة العربية السعودية.
فالتاريخ الذي بدأ قبل ثلاثة قرون لم يُكتب على الورق، بل نُقش على صخور الجزيرة بمدادٍ من دماء الأبطال، وثبات الرجال، وصبر الأمهات اللواتي أنجبن جيلاً بعد جيلٍ رجالًا لا يلينون. من خافق الراية الأولى في الدرعية، إلى قمم المجد في حاضرنا المشرق، ظل السلوك السعودي مرآةً صادقةً لهذه العبارة؛ فالعزُّ في إكرام الضيف، والعزُّ في الفزعة للمحتاج، والعزُّ في الشجاعة ساعة الشدة، والعزُّ في الترفع عن الصغائر والدنايا.
ولأن العزَّ لا يُولد في الفراغ، فقد وجد السودانيون في المملكة أرضًا تُشبههم في شهامة أهلها، وصدق معدنهم، ونقاء سريرتهم. وجدوا فيها وطنًا ثانيًا لا يُشعرهم بالغربة، بل يفتح لهم أبواب الرزق والكرامة، ويمنحهم من الأمن ما افتقدوه في سنوات الحرب والضيق. ولذلك، كان الوفاء السوداني للمملكة وفاءً نابعًا من القلب، لا من المصلحة؛ وفاءً يُشبه طبعهم الأصيل، ويُشبه تاريخهم الذي لا ينسى من وقف معهم في الشدة، ولا من فتح لهم بابًا حين ضاقت الأبواب.
لقد قدّمت المملكة للسودانيين ما لا يُنسى قدّمت لهم الأمان حين ضاقت بهم أرض الوطن، وقدّمت لهم العمل حين انكسرت سبل العيش، وقدّمت لهم الاحترام حين حاولت الحرب أن تكسر كرامتهم. ولم يكن هذا العطاء يومًا منّةً، بل كان امتدادًا لطبعٍ عربيٍّ أصيلٍ يقول إن الجار أخٌ، وإن الضيف أمانة، وإن الملهوف لا يُترك وحيدًا في العاصفة.
وفي المقابل، حمل السودانيون هذا الجميل في صدورهم كما تُحمل الأمانة، وردّوه وفاءً صادقًا في العمل، وفي السلوك، وفي الانتماء. كانوا – وما زالوا – سفراء للخير، وأهل ثقة، وذوي مروءةٍ يشهد بها كلُّ من عاش بينهم. وحين اشتدت الحرب في السودان، لم ينسَ السودانيون أن المملكة كانت سندًا لهم، فبادلوها حبًا بحب، وولاءً بولاء، ووفاءً بوفاء.
وهكذا يلتقي العزُّ السعودي بالوفاء السوداني في نقطةٍ واحدة: نقطةٍ تقول إن القيم حين تتشابه، تتآخى الشعوب، وتتعانق الأوطان، ويصبح التاريخ جسراً لا يُهدم.
دمتِ يا مملكة المجد حصنًا للإسلام، ورايةً خفّاقةً للعروبة، وموطنًا للعدل والحزم. ودام السودانيون لكِ أوفياء، يردّون الجميل بالعمل، ويكتبون في دفاتر الزمن أن العزَّ حين يكون طبعًا، فإن الوفاء يكون قدرًا.
ونواصل mashahid3000@gmail.com




