*إنقاذ الجنيه السوداني.. الإصلاح الحقيقي لا يبدأ برفع الرواتب! «الجنيه في غرفة الإنعاش.. فمن ينقذ الاقتصاد السوداني؟ د/. أميرة كمال مصطفى*

انهيار سعر صرف الجنيه السوداني أصبح قضية تمس حياة المواطن السوداني اليومية وتهدد ما تبقى من استقرار اقتصادي واجتماعي في بلد أنهكته الحرب والنزوح وتراجع الإنتاج وانكماش مؤسسات الدولة.
فكل ارتفاع جديد في سعر الدولار يعني بصورة مباشرة ارتفاعاً في أسعار الغذاء والدواء والوقود والنقل، ويعني مزيداً من التآكل في دخول المواطنين ومزيداً من الفقر ومزيداً من الضغط على الأسر السودانية التي أصبحت تواجه واحدة من أصعب المراحل الاقتصادية في تاريخ البلاد. وحماية العملة الوطنية ليست مسؤولية محافظ بنك السودان وحده، وليست مسؤولية البنك المركزي وحده لكنها تبدأ من هناك.
فالبنك المركزي هو حارس العملة الوطنية وحارس الاستقرار النقدي وأحد أهم المؤسسات المسؤولة عن حماية الاقتصاد من التضخم والانفلات النقدي.
يحتاج السودان إلى انتقال عاجل من مرحلة إدارة الأزمة بردود الأفعال إلى مرحلة إدارة الاقتصاد برؤية وسياسات واضحة ومعلنة وقابلة للقياس 💡وقف التخبط واستعادة الثقة
أخطر ما يمكن أن يواجه الاقتصاد ليس فقد أو نقص الدولار وإنما فقدان الثقة.
فعندما تصدر القرارات ثم يتم التراجع عنها سريعاً أو تتغير السياسات النقدية بصورة متكررة، تصبح البنوك والمستثمرون والمصدرون والمستوردون عاجزين عن التخطيط.
والاقتصاد لا يعمل بالمفاجآت.
و أول خطوة لإنقاذ الجنيه السوداني يجب أن تكون وضع سياسة نقدية واضحة ومستقرة، تعلن للرأي العام وللقطاع المصرفي، وتحدد أهدافاً دقيقة لسعر الصرف والتضخم والسيولة مع الالتزام بعدم تغيير القرارات إلا لأسباب اقتصادية حقيقية ومدروسة.
فالثقة لا تُطبع في المطابع ولكنها تُبنى بالمصداقية والاستقرار والشفافية.
💡 وقف التمويل بالعجز وطباعة النقود
لا يمكن حماية الجنيه السوداني بينما تستمر الدولة في تغطية نفقاتها عن طريق التوسع في الكتلة النقدية دون وجود إنتاج حقيقي يقابلها. كما أن طباعة النقود بلا زيادة في الإنتاج هي أحد أسرع الطرق لتدمير قيمة العملة ورفع معدلات التضخم.
وعليه يجب أن تكون هناك سياسة صارمة تمنع التمويل التضخمي لعجز الموازنة وأن تبحث الدولة عن بدائل حقيقية أهمها:
زيادة الإيرادات العامة بصورة عادلة.
توسيع المظلة الضريبية بدلاً من إرهاق الممولين الحاليين.
مكافحة التهرب الضريبي والجمركي.
ترشيد الإنفاق الحكومي.
إيقاف الإنفاق غير الضروري.
مراجعة الامتيازات والمخصصات في المؤسسات الحكومية.
توجيه الموارد إلى الإنتاج والخدمات الأساسية.
فلا معنى لأن يُطلب من المواطن تحمل التضخم، بينما يستمر الإنفاق الإداري بلا ضوابط.
💡 الذهب يجب أن يصبح سنداً حقيقياً للجنيه
السودان بلد غني بالذهب، ولكن السؤال الذي ظل مطروحاً هو:
لماذا يزداد إنتاج الذهب بينما يستمر الدولار في الارتفاع؟
وأحدهمن أهم المعالجات العاجلة هو وضع سياسة وطنية صارمة لإدارة الذهب باعتباره أهم مورد قادر في الظروف الحالية على دعم الاحتياطي من العملات الأجنبية.
ويجب العمل على:
إحكام سيطرة الدولة على تجارة الذهب.
منع التهريب.
تشجيع المنتجين على البيع عبر القنوات الرسمية.
تقديم حوافز واقعية للمصدرين.
ضمان دخول حصائل الصادر إلى الجهاز المصرفي.
استخدام جزء من عائدات الذهب في دعم الاحتياطي النقدي.
فالذهب الذي يخرج من السودان عبر التهريب لا يدعم الجنيه، ولا يدعم المواطن ولا يدعم الاقتصاد الوطني.
💡 زيادة الإنتاج والصادرات.. العلاج الحقيقي للدولار
لا يمكن لأي بنك مركزي أن يحمي العملة الوطنية إلى الأبد بالقرارات الإدارية وحدها.
قوة العملة تأتي في النهاية من قوة الاقتصاد والإنتاج.
والسودان يمتلك إمكانيات هائلة في:
الزراعة.
الثروة الحيوانية.
الذهب والمعادن.
الصناعات الغذائية.
الصمغ العربي.
المنتجات الزراعية.
ولكن المطلوب هو تحويل هذه الإمكانيات إلى صادرات حقيقية.
وهنا يجب أن تتكامل سياسات بنك السودان مع سياسات وزارات المالية والزراعة والمعادن والتجارة والصناعة.
فالهدف يجب أن يكون واضحاً:
زيادة دخول الدولار إلى السودان من الإنتاج والصادرات وليس من المضاربة والتحويلات غير الرسمية فقط.
💡 استعادة السيطرة على سوق النقد الأجنبي
إن وجود فجوة كبيرة بين السعر الرسمي والسوق الموازي يشجع المضاربة ويزيد الطلب على الدولار.
ولذلك يجب أن يتجه بنك السودان إلى سياسة واقعية وشفافة لسعر الصرف، تمنع وجود أسعار متعددة بصورة غير مبررة.
كما يجب:
دعم القنوات المصرفية للتحويلات.
تشجيع السودانيين بالخارج على تحويل أموالهم عبر البنوك.
تقديم حوافز للمغتربين.
تطوير وسائل الدفع الإلكتروني.
تسهيل إجراءات التحويل.
مكافحة المضاربة المنظمة في العملات.
فأموال السودانيين في الخارج يمكن أن تكون أحد أهم مصادر دعم الاقتصاد إذا تم بناء نظام مصرفي يثقون فيه.
💡 مكافحة التضخم من جذوره
التضخم مرض اقتصادي يحتاج إلى علاج جذري.
ويجب أن تشمل المعالجة.
📍ضبط السيولة النقدية.
📍 تقليل التمويل التضخمي.
📍 زيادة الإنتاج المحلي.
📍 تحسين سلاسل الإمداد والنقل.
📍 مكافحة الاحتكار والمضاربة.
📍 حماية السلع الأساسية.
المواطن لا يريد أن يسمع كل يوم عن مؤشرات اقتصادية بينما يجد سعر الخبز والدواء والوقود يرتفع باستمرار.
المواطن يريد أن يرى أثر السياسات الاقتصادية في حياته.
📍 استقلالية بنك السودان ضرورة للمصلحة العامة .
ولا يمكن للبنك المركزي أن ينجح إذا كان يخضع للضغوط السياسية أو الإدارية.
أهمية استقلالية بنك السودان تعني أن تكون قراراته مبنية على المؤشرات الاقتصادية والمصلحة الوطنية وأن لا تكون تلبية لرغبات الأفراد أو المؤسسات.
كما يجب أن يتم اختيار القيادات الاقتصادية على أساس:
الكفاءة والخبرة والنزاهة والقدرة على إدارة الأزمات.
فالمرحلة التي يعيشها السودان حاليا لا تحتمل التجارب.
ولا تحتمل القرارات المرتجلة.
ولا تحتمل إدارة الاقتصاد بسياسة «نجرب ثم نرى».
📍الشفافية والمحاسبة
من حق الشعب السوداني أن يعرف حقيقة الوضع الاقتصادي.
ومن حقه أن يعرف:
حجم الاحتياطي من النقد الأجنبي.
حجم الكتلة النقدية.
أسباب ارتفاع الدولار.
خطط البنك المركزي لمعالجة التضخم.
نتائج السياسات الاقتصادية.
فالشفافية قوة والوضوح ثقة.
والمؤسسات التي تعمل في وضح النهار تستطيع أن تستعيد ثقة المواطنين والأسواق.
الإصلاح الحقيقي يبدأ من الاقتصاد لايبداء من الامتيازات.
السودان أصبح أمام مرحلة اقتصادية بالغة الخطورة.
وكل يوم يستمر فيه انهيار الجنيه يعني مزيداً من معاناة المواطن ومزيداً من التآكل للاقتصاد الوطني.
لذلك فإن المطلوب تغيير طريقة إدارة الاقتصاد.
نحتاج إلى:
سياسة نقدية مستقرة.
إنتاج حقيقي.
صادرات قوية.
إدارة صارمة للذهب.
وقف طباعة النقود بلا غطاء.
مكافحة التهريب والمضاربة.
جهاز مصرفي حديث وموثوق.
بنك مركزي مستقل.
شفافية ومحاسبة.
الجنيه السوداني لن تحميه الخطب ولن تنقذه البيانات المتكررة ولن تعيد إليه قوته القرارات المتناقضة.
الجنيه يحتاج إلى اقتصاد ينتج ودولة ترشد إنفاقها وبنك مركزي يملك رؤية وسياسات ثابتة،وقيادة تدرك أن حماية العملة الوطنية هي حماية مباشرة للمواطن السوداني.
ففي هذه المرحلة الحرجة من تاريخ السودان تصبح المعركة الاقتصادية لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى.
وإنقاذ الجنيه السوداني اليوم أصبح قضية أمن وطني واستقرار اجتماعي ومستقبل وطن.
فهل ننتظر حتى يصل الانهيار إلى مرحلة لا يمكن إصلاحها أم نبدأ الآن إصلاحاً اقتصادياً حقيقياً قبل فوات الأوان؟
حفظكم الله ورعاكم ولأن للحقيقةوسنا سنكتب ونكتب

مقالات ذات صلة