موطئ قلم
تناولنا في الجزء الأول من هذا المقال جذور اختلال العلاقة بين السلطة السياسية والقوة المسلحة في السودان، وكيف أسهمت السياسات التي سمحت بنشوء تشكيلات عسكرية موازية في تعدد مراكز القرار العسكري، وظهور قوى تمتلك موارد اقتصادية ونفوذاً سياسياً خارج الضوابط المؤسسية للدولة. كما توقفنا عند تجربة قوات الدعم السريع، وما كشفته الحرب من خطورة ازدواج القيادة العسكرية، وأهمية الضمانات الدستورية والقانونية التي تحول دون تكرار هذه التجربة. وتنتقل هذه القراءة إلى التحدي الذي يواجه السودان في مرحلة ما بعد الحرب، والمتعلق بمستقبل التشكيلات المسلحة، وإعادة تنظيم المنظومة العسكرية والأمنية، واستعادة احتكار الدولة للاستخدام المشروع للقوة.
ولا تنحصر إشكالية تعدد مراكز القوة في تجربة الدعم السريع، فقد شهد السودان نشوء حركات مسلحة متعددة ارتبط بعضها بنزاعات سياسية وجهوية ومطالب تتعلق بالمشاركة والحقوق والتنمية. وأدخلت اتفاقيات السلام المتعاقبة بعض هذه الحركات في ترتيبات سياسية وأمنية، بينما استمرت تشكيلات أخرى في الاحتفاظ بقواتها وقياداتها. كما أفرزت الحرب الحالية واقعاً جديداً تمثل في اتساع مشاركة قوات ومجموعات مسلحة مساندة للقوات المسلحة، تختلف في تكوينها وخلفياتها التنظيمية وأدوارها الميدانية. ويطرح هذا الواقع تحدياً يتعلق بمستقبل التنظيم العسكري بعد الحرب، وبكيفية المحافظة على وحدة المؤسسة العسكرية ومنع نشوء مراكز مستقلة جديدة للقوة.
وقد أدت القوات المساندة أدواراً في مواجهة التمرد والدفاع عن مناطق ومجتمعات تعرضت للتهديد، وهي أدوار ينبغي تقديرها في سياق ظروف الحرب ومتطلباتها. غير أن الانتقال من الحرب إلى الاستقرار يستدعي ترتيبات مؤسسية واضحة تنظم أوضاع هذه القوات وفق القانون والمعايير المهنية، وتحدد مسارات الاستيعاب أو التسريح وإعادة الإدماج بحسب احتياجات القوات المسلحة ومقتضيات الأمن الوطني. وتظل الغاية الاستراتيجية من هذه المعالجة هي المحافظة على وحدة القيادة والعقيدة العسكرية والقرار العملياتي، ومنع استمرار الولاءات التنظيمية أو الجهوية بوصفها مراكز مستقلة داخل المنظومة العسكرية.
وتتطلب استعادة احتكار الدولة للقوة مراجعة شاملة لفلسفة إدارة المؤسسات النظامية، تبدأ من ترسيخ مكانة القوات المسلحة بوصفها المؤسسة العسكرية الوطنية الموحدة المسؤولة عن الدفاع عن البلاد وحماية سيادتها وسلامة أراضيها. ويرتبط ذلك بتحديد واضح للاختصاصات بين المؤسسات العسكرية والشرطية والأمنية، وتنظيم العلاقة بينها ضمن منظومة وطنية متكاملة تخضع للدستور والقانون. كما يستدعي تحصين هذه المؤسسات من الاستقطاب السياسي، وترسيخ قواعد مهنية تضمن الانضباط واستمرارية المؤسسة بصرف النظر عن تغير الحكومات. ويكتسب هذا التنظيم فاعليته عندما تكون المسؤوليات محددة، والأوامر قابلة للتتبع والمساءلة، والصلاحيات محكومة بضوابط تمنع تجاوز التسلسل القيادي أو توظيف المؤسسات النظامية في الصراع على الحكم.
ويقتضي هذا المسار كذلك بناء منظومة مؤسسية للرقابة على قرارات استخدام القوة، تحدد بوضوح الجهات المخولة بإعلان الحرب والتعبئة وحالات الطوارئ، وآليات إجازة القرارات ومراجعتها وفق الدستور. كما ينبغي تنظيم العلاقة بين القيادة السياسية المختصة والقيادة العسكرية، وتحديد حدود الصلاحيات والمسؤوليات بما يضمن وحدة القرار السيادي وفاعلية التنفيذ العسكري. وتبرز أهمية الرقابة التشريعية على السياسات الدفاعية والموازنات، والرقابة القضائية على مشروعية الإجراءات في نطاق اختصاصها، إلى جانب وجود أجهزة تفتيش ومراجعة داخل المؤسسات النظامية. وتساعد هذه الضوابط على منع تركيز القرارات المصيرية في مراكز شخصية أو تنظيمية، وتوفر أساساً قانونياً لمحاسبة المسؤولين عن تجاوز الصلاحيات أو إساءة استخدام القوة.
ويظل احتكار الدولة للقوة مرتبطاً بسيادة القانون وحماية الحقوق، لأن مشروعية استخدام القوة تستند إلى الغاية التي تمارس من أجلها والضوابط التي تحكمها. فالقوات المسلحة والأجهزة الشرطية والأمنية تعمل لحماية الدولة والمجتمع، وتخضع في أداء وظائفها للقوانين الوطنية والالتزامات القانونية ذات الصلة. وتبرز هنا أهمية المؤسسات القضائية والرقابية، وقدرتها على حماية المواطنين ومعالجة المظالم ومنع الإفلات من العقاب. كما أن استعادة الثقة بين الدولة والمجتمعات التي تأثرت بالنزاعات تتطلب إدارة مدنية فاعلة، وخدمات أساسية، وآليات عادلة لتسوية النزاعات. وتكتسب سلطة الدولة استقرارها عندما يجد المواطن في مؤسساتها القدرة على توفير الأمن والعدالة، ويصبح الاحتكام إلى القانون وسيلة موثوقة لحماية الحقوق.
وترتبط هذه القضية كذلك بالجذور السياسية والاقتصادية والاجتماعية للنزاعات السودانية. فقد أسهم التفاوت التنموي، وضعف المشاركة السياسية، والتنافس على الموارد، والنزاعات المحلية حول الأرض والمراعي، في خلق بيئات ساعدت على انتشار السلاح واستمرار الجماعات المسلحة. ولذلك فإن المعالجة المستدامة تحتاج إلى تطوير الحكم المحلي، وتعزيز العدالة في توزيع الموارد، وتوسيع المشاركة السياسية، وإيجاد آليات فعالة لتسوية النزاعات. كما تتطلب معالجة العوامل التي تدفع بعض المجتمعات إلى الاعتماد على الحماية المسلحة خارج مؤسسات الدولة، من خلال تعزيز الوجود المؤسسي والخدمي والأمني، وإعادة بناء الثقة بين المواطنين والسلطات العامة.
ويضيف البعد الإقليمي والدولي تعقيدات أخرى إلى هذه المسألة، في ظل امتداد النزاعات عبر الحدود، وحركة السلاح والمقاتلين، وتداخل المصالح السياسية والاقتصادية للدول المحيطة بالسودان. وتزداد خطورة هذه العوامل عندما تمتلك التشكيلات المسلحة مصادر إمداد أو تمويل أو دعم خارجي تمكنها من الاستمرار بعيداً عن سلطة الدولة. ومن ثم فإن حماية السيادة الوطنية تتطلب تعزيز أمن الحدود، وضبط تدفقات السلاح، وتطوير القدرات الاستخبارية والرقابية، وبناء علاقات إقليمية تقوم على احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. كما تتطلب قدرة دبلوماسية وقانونية على مواجهة أي دعم خارجي لجماعات مسلحة تعمل خارج المؤسسات الشرعية للدولة.
وتفرض الحرب الراهنة مراجعة جادة للسياسات التي سمحت بتعدد مراكز القوة المسلحة، ووضع أسس واضحة تمنع إعادة إنتاجها مستقبلاً. وتبدأ هذه المراجعة بإعادة تنظيم القوة العسكرية ضمن قيادة وطنية موحدة، ومعالجة أوضاع التشكيلات القائمة وفق ترتيبات قانونية ومهنية متدرجة، وضبط مصادر التمويل والتسليح، وإعادة بناء الأجهزة المعنية بإنفاذ القانون. ويتطلب تنفيذ هذه الإجراءات تقديراً دقيقاً للظروف الأمنية والاجتماعية التي أفرزتها الحرب، حتى لا تنشأ فراغات أمنية أو تتحول مجموعات مسلحة إلى مصادر جديدة للاضطراب. كما يستدعي وجود مؤسسات قادرة على متابعة التنفيذ، وقياس النتائج، وتصحيح الاختلالات قبل تحولها إلى أزمات يصعب احتواؤها.
وتكمن الخطورة الاستراتيجية في أن استعادة السيطرة على الأراضي وإنهاء الحرب قد تتحققان دون معالجة الأسباب التي سمحت بنشوء مراكز القوة الموازية. فإذا بقي إنشاء التشكيلات المسلحة ممكناً بقرارات سياسية منفردة، واستمرت الموارد العسكرية خارج الرقابة، وظلت العلاقة بين السلطة والسلاح خاضعة لحسابات النفوذ، فإن الظروف التي أنتجت الأزمة ستظل قابلة للتكرار. وقد أثبتت التجربة السودانية أن ازدواج القرار العسكري يمنح الخلاف السياسي قدرة على التحول إلى مواجهة مسلحة، ويجعل استقرار الدولة رهيناً بتوازنات قد تتغير بصورة مفاجئة. ولذلك فإن نجاح مرحلة ما بعد الحرب يرتبط بمدى قدرة الدولة على تحويل الدروس المستفادة إلى قواعد مؤسسية ملزمة تتجاوز الأشخاص والحكومات.
لقد دفعت البلاد ثمناً باهظاً نتيجة تراكم الاختلالات التي سمحت بتعدد مراكز القوة المسلحة، وأصبحت مسؤولية منع تكرار هذه التجربة واجباً وطنياً يتجاوز الحسابات السياسية والعسكرية المباشرة. فالسودان الذي يسعى إلى استعادة أمنه واستقراره يحتاج إلى مؤسسة عسكرية وطنية موحدة، ومنظومة أمنية وشرطية تعمل وفق اختصاصاتها القانونية، ومؤسسات حكم تمتلك سلطة القرار وتتحمل مسؤولية نتائجه. وتظل السيادة الوطنية معرضة للاهتزاز متى تعددت الجهات القادرة على اتخاذ قرار استخدام القوة خارج الأطر الدستورية، لأن وحدة الدولة تبدأ من وحدة المرجعية التي تحكم السلاح وتحدد مشروعية استخدامه. وحين يستقر السلاح تحت سلطة الدولة والقانون، تستعيد المؤسسات قدرتها على حماية المجتمع، ويصبح الخلاف السياسي شأناً تحسمه الإرادة الوطنية عبر مؤسسات الحكم، بعيداً عن فوهات البنادق.
السبت، 7 نوفمبر 2026م




