أراد أحمد هارون، رئيس المؤتمر الوطني والمطلوب للمحكمة الجنائية الدولية، من خلال ظهوره في بودكاست من فندق الربوة بكسلا، تدشين مرحلة جديدة للحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني، بالتزامن مع تحركات علي كرتي واجتماعاته العلنية في الخرطوم، وإبراز دور علي عثمان محمد طه باعتباره المرجعية السياسية والروحية لهذا التيار.
هذه التحركات أثارت غضب أطراف إقليمية تساءلت عنها دون أن تجد إجابات مقنعة، ثم جاء ظهور هارون ليضع البرهان في حرج بالغ، خاصة بوصفه ثورة ديسمبر بالانقلاب، في تناقض مع الشرعية التي يستند إليها البرهان عبر الوثيقة الدستورية.
ولم تكن المشكلة في مجرد ظهور هارون، وإنما في طبيعة الخطاب الذي قدمه على مدى أربع ساعات، إذ تحدث وكأنه رئيس للدولة، متناولاً أوضاع الجيش وتحالفاته، وعلاقات السودان بالدول والمحاور الإقليمية، وقضايا السياسة الخارجية،فقد ظهر باعتباره صاحب سلطة وقرار، لا مجرد رئيس لحزب سياسي، وهو ما ضاعف غضب البرهان، لأن هارون تجاوز حدود دوره السياسي إلى مساحة الصلاحيات التي يحتكرها البرهان، وقدم نفسه بصورة توحي بوجود مركز آخر للقرار السياسي في البلاد.
جوهر الأزمة أن كرتي وهارون أخلّا بشروط التحالف بين البرهان وتياري الحركة الإسلامية، والقائم على إبقاء التحالف بعيداً عن العلن،وهذه المرة الثانية التي يخرق فيها هارون الاتفاق، بعد مقابلته السابقة مع رويترز، التي أثارت غضب البرهان وأدت إلى تقييد تحركاته.
راهن كرتي وهارون على أن البرهان لن يجرؤ على مواجهتهما، بسبب ضعف موقف الجيش في النيل الأزرق واشتداد المعارك في كردفان، وحاجته إلى مشاركة الإسلاميين العسكرية في الجبهتين، واعتقدا أن هذه الحاجة تمنحهما حصانة من أي إجراءات ضدهما.
في تقديري، اعتقال هارون إجراء سياسي ذو طابع إعلامي، فرضه الحرج الذي وضع فيه حلفاؤه البرهان، ولن يطول. لكن إذا اختارت الحركة الإسلامية التصعيد، فقد تتسع الاعتقالات لتشمل قيادات أخرى، أما إذا استوعبت الرسالة فلن يتجاوز الأمر حدود الضغط السياسي.
فالبرهان يحتاج الإسلاميين عسكرياً، لكنه لا يستطيع تحمل كلفة عودتهم السياسية العلنية، داخلياً وإقليمياً، على حساب سلطته وشرعيته.




