كتب الاستاذ والاذاعي والاعلامي القدير عبدالوهاب صالح عن رحيل الفنان المبدع صديق أحمد:
عيني بالدمع تاني
إنفتق جرحن …
الزمان السادس والعشرين من رمضان 1446ه . هي العشر الأواخر من رمضان والشارع يضج بأبواق السيارات فرحةً بتحرير الخرطوم والسماء ملبدة بالغيوم وعلى مرمى حجر ساحل البحر المالح بين مدّ الحرب وجذر إنحسارها ، والعيد على الأبواب والنيل بعيد وأنا على هذه الحالة باغتني الخبر .
طوى الجزيرة حتى جاءني خبر
فزعت فيه بآمالي إلى الكذب
حتى إذا لم يدع لي صدقه أملاً شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي
لقد رحل صديق أحمد متخيراً هذا النفاج والتوقيت لتصعد روحه إلى سدرة منتهاه .
لا أدري كم هو عمره بحساب الأعوام لكني أعلم كم هو عطائه الذي عرج به ذات زمان وجاوز الفرقدين !
وأدري وجيلي وأجيال سابقة ولاحقة كم سرى صديق أحمد في ليالٍ قمرية متخطياً كثبان الرمال ومضايق الجبال وتعرجات وتموجات الطرق ليزرع الفرح بغناءٍ لا ارى له من نقاء وجلاء وطلاوة في بلدنا إلا ضوء القمر حين ينتصف كبد السماء ..
ومالو القمر من دارنا يا ناس إختفى .
كان صديق صنواً للقمر حين يعطر لياليّه بالطرب فلا تدري من يتدثر بالآخر ، غير أن الصوت الذي يسري في الآفاق يتساقط كالمطر زخاتِ لحن وإيقاع وكلمة فيروي ظمأِ نفوسٍ لطالما خالطها كدرٌ من تعبِ الحياة .
كنا وقتها طلاباً في ميعة الصبا نقتفي أثر هذا الصوت كمن يبحث عن كنز عظيم ، تبعدنا المسافة وتدنينا الحنجرة الذهبية :
إنت ما علمت قلبي الريد
وقبلك ماعرفتو
وإنت ما صورت لي الكون مداين وروعة شفتو ..
لم يكن صديق أحمد مغنياً لكنه كان مربياً ومهذباً لوجدانيات أجيال سارت بغنائه ومحفزاً لأفراحٍ ما اكتملت إلا بأمره :
حريرتك هزّها وحكّم رباطا
يا الجزايرك بالشرق وزينا كاكا …
ولشدة حرصه على مشاتل الفرح استصحب عليه الرحمة والرضوان في تجلياته وتوسلات و مناجاة العريس لأمه وأبيه
كان يا يمه صح ولدك تريدي
إنت كلما تصلي ليهو عفوك زيدي
وقولي أنا عافي منك يا وليدي
عشان انا لي عفوك بلحق جديدي !!!!
وغيرها من الروائع :
خلوني الاسافر ابوي
لو كان في إجازة العيد
أمشي وأزور حبيبي الغالي
داير أوفي حق الريد ..
لقد بدأ الراحل حياته ممرضاً بالحقل الصحي لمداواة المرضى بالأدوية ثم نحى جانب الغناء فبرع وكانت مداواته أكثر نجاعةً في طبِ النفوس وتهدئةِ روعها فسكّن من آلام ما كان لها أن تهدأ غيرُ تلك الأنامل التى استنطقت الكائن الذي يمشي على خمسٍ .
لم يكن صديق أحمد مغنياً عند جيلنا بالمعنى المألوف للغناء ، كان الناسُ وهم يتهيأون لاستقباله بالتصفيق والمزامير وكان يمشي واثق الخطوة نحو المايك وهو في كامل زينته وطلته البهية ، كان كمن يقدم محاضرةً في تخصصٍ نادرٍ لطلابٍ أتوا من فجاج الأرض .
كان يقدم رجلاً ويؤخرُ أخري ..
يا من وهبتك كل ما مضى من شبابى ومن صباى أنا هل ظلمتك ؟ أم ظلمتنى ياجميل ؟ لما سبتك لى سواى * * * لحكمة ما بكت العيون الشاخصة فى وجها جميل
شد ما جعل ذلك الجيل مشدوداً لتلك الأعمال وبذات اللونية والنمط والمعروف إصطلاحاً بالاستايل هو قدرة الفنان على ان يجعل منك مستمعاً لا مهرجاً ، وبهذا الاستدراك قد خلق صديق أحمد لنفسه قاعدةً من المستمعين . وأضاف لهم ثقافات في مجال الغناء لم يكن الناس بالغيها في زمان كانت فيه أدوات الترفيه محدودة ، عرفنا من خلاله الثنائيات
وكيف شكل مع أثيره الشاعر عبد الله محمد خير ثنائية تربعا بها على ضفاف النيل إزداد بها المنحنى خضرةً وثمارا !
الاغنية عند صديق أحمد مشبّعةٌ بالمحسنات البديعيه تستخرج الجناس والتورية وحسن التعليل ، وبهذه الأعمال سمت أحاسيس وفي دربها كتب شعراء ونهض مغنون واكتملت زيجات وكانت عماداً لأسر وكان صديقُ صديقاً لأسر .
ما من مهاجر وعائد ومرتحل إلا وكانت زاده :
يازينوبة ابوك هو أصلو حالو برا
لو قاريء العلم ولا هو سيد خبرة
مو زول غربة لكن الظروف جابره مالو إن كان صبر
كل الخلوق صابرة
والصابرات روابح لو يجن قماح
هو أصلو متين نساكم يمه شان يطرا
رقيق إحساس رهيف قلبو بالفطرة
نديمو بقت دموعو الديمه منقطرا
وعارف نفسو من غيركن هو مابرتاح ..
عرف عن الراحل صديق أحمد إنه رجلٌ تقضى على يده للناسِ حاجات و فوق أنه فنان هو رجل كريم ، موطأ الأكناف يألف ويُؤلف فكان بيته قبلةً لاصحاب الحاجات وطالبي العلم .
وجزاءُ ذلك إنهم من الآمنين من عذاب الله يوم القيامة ، وكان رحمه ينفق بيمينه ما لا تعلم شماله وجزاء ذلك أن يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ..
أخرج الراحل عليه رحمة الله أغنية الدليب من حيز الشمال إلى الفضاء القومي فكانت القاسم المشترك والمنهل العذب لمختلف المشارب والسحنات .
تغنى له فنان افريقيا الأول محمد وردي وعبدالرحمن عبدالله ليزاوج بين فن الطمبور والغناء الحديث .
الحديث عن صديق أحمد يطول ولا يقصر ولا يكفيه قلم واحد بل يتحدث عنه الناس الذين سمعوه وعاشوه فى الأرياف والحضر وتنقب في تراثه معاهد ومحققون وهذه خواطرُ عنت لي والرجل صاحب الأثر العظيم في حياتنا يعبر للضفة الأخرى في مقعد صدق عند مليك مقتدر . اللهم جازه بقدر ما احتشد من حوله الناس واجعله من عتقاء هذه العشر الأواخر من رمضان .
ويا صديق
ما كنت أحسب قبل دفنك في الثرى
أن الكواكب في التراب تغور.