لا يكفي أن تُحرَّر المناطق عسكريًا ثم تُترك مثقلة بدنس المليشيا وبقاياها المرئية والمستترة لأن الحرب لا تنتهي بخروج السلاح ولا برفع الرايات ولا بالاحتفالات المفتوحة ولا بالمنصات المكشوفة ولا بالصور الجماعية التي تُبث بلا حساب فالمعركة الحقيقية تبدأ حين نعي أن الداخل ما زال مخترقًا وأن الأرض التي تُستعاد بالقوة يمكن أن تُخترق بالمعلومة في لحظة واحدة إذا تُركت الخلايا النائمة تعمل في الظل
التحرير الذي لا يتبعه تنظيف جذري هو نصر هش لأن المليشيا لا تعيش فقط في العربة والسلاح بل في الهاتف والعين والبلاغ وفي الشخص الذي يبدو مدنيًا ويقف في الصفوف الخلفية ويخرج من احتفال مفتوح بإحداثية دقيقة تُفتح بها السماء بعد دقائق على الأبرياء وعلى من ظنوا أن المكان آمن لأن الفرح العلني في حرب المسيّرات قد يتحول إلى دليل قتل إذا لم يُدار بعقل أمني صارم
هناك خلايا نائمة للمليشيا داخل المناطق المحررة ترصد وتراقب وتنتظر وتستفيد من أي تجمع مفتوح ومن أي احتفال علني ومن أي اجتماع غير محصّن لتحديد التوقيت والازدحام والمسار وهذه ليست مبالغات ولا أوهام بل نمط متكرر يفسر دقة الضربات ويكشف أن السماء لا تُفتح وحدها بل تُفتح من الداخل وبمعلومة خرجت من مكان يفترض أنه آمن
التنظيف هنا ليس انتقامًا ولا تشكيكًا أعمى بل واجب سيادي وأمني لأن المعركة الحديثة تُدار بالمعلومة قبل الرصاصة ولأن من يرسل الإحداثيات أخطر من من يضغط الزناد لأنه يختار اللحظة ويحدد الكلفة ويعرف أن التجمع المفتوح هو الهدف الأسهل وأن الضجيج الإعلامي يسبق أحيانًا الانفجار لا العكس
المناطق التي حُررت ما زالت ملوثة بالشبكات والعلاقات والهواتف والعقول وبأشخاص تلوّنوا وتعاونوا وسهّلوا وصوّروا وبثّوا وهم يعلمون أن الصورة والوقت والمكان يمكن أن تتحول إلى بلاغ قتل ومع ذلك مضوا لأن الإفلات كان القاعدة ولأن فكرة أن هناك بشرًا أرخص جعلت المجازفة بأرواحهم أمرًا مقبولًا
لا استقرار مع وجود خلايا نائمة أحرار ولا سيادة مع مفاتيح السماء في أيدي متعاونين ولا معنى لأي نصر إذا ظل القاتل محميًا بالتسويات ولا دولة تُبنى إذا استمر الإفلات من المساءلة تحت أي ذريعة لأن العدالة المؤجلة ليست حكمة ولأن التساهل مع خيانة المعلومة ومع كشف التجمعات في زمن المسيّرات ينسف أي ادعاء بحماية الجنود والمدنيين معًا
التنظيف الحقيقي يعني فتح الملفات لا دفنها ويعني تفكيك الخلايا النائمة قانونيًا وبالأدلة والتحقيقات المهنية ويعني ضبط إدارة الفضاء العام في زمن الحرب ويعني مراجعة ثقافة الاجتماعات والاحتفالات المفتوحة ووضع معايير صارمة للسلامة الأمنية والإعلامية لأن حماية الأرواح ليست تقييدًا للفرح بل شرط بقائه
الدولة التي تريد حماية ما حررت يجب أن تحميه من الداخل قبل أن تتباهى به في الخارج وأن تفهم أن النصر العسكري بلا عدالة وبلا انضباط أمني هو دعوة مفتوحة لعودة العنف وأن الرسالة الوحيدة المقنعة هي أن الخيانة ليست رأيًا وأن المعلومة سلاح وأن كشف المواقع والتجمعات في زمن الحرب جريمة لا يُغفر لها حسن النية
تنظيف المناطق المحررة هو استعادة الثقة وكسر ميزان الرخص الذي جعل بعض البشر أهدافًا سهلة وهو إعلان بأن دم الأبرياء والجنود ليس تفصيلاً ولا مادة للصور بل خط أحمر وأن من يعبث بالمعلومة أو يفتح التجمعات بلا حماية يفتح السماء للقتل
إن لم يحدث هذا اليوم فسيحدث بثمن أعلى غدًا لأن الخلايا النائمة التي لا تُفكك تستثمر كل تجمع وكل منصة وكل احتفال ولأن الحرب التي لا تُنظَّف أخلاقيًا وأمنيًا تعود بأسماء جديدة وخرائط أدق وضحايا أكثر
بهذا فقط يكتمل التحرير وبهذا فقط يتحول النصر من صورة إلى واقع محمي وتُغلق السماء في وجه القتلة وتُفتح الأرض للعدالة وتبدأ دولة تعرف أن السيادة لا تُعلن ولا تُحتفل بها في العراء بل تُحمى بالعقل والمساءلة والانضباط.
يجب أن تعرف الدولة بلا مواربة أن استهداف مقر الفرقة في سنجة لا يمكن فهمه إلا باعتباره خيانة من الداخل لأن المواقع المحصّنة لا تُصاب بالحدس ولا تُقصف بالصدفة ولأن السماء لا تهتدي إلى أهدافها وحدها وإذا كان قد ثبت أن حاميات سُلِّمت سابقًا بفعل التواطؤ والصمت والبيع فليس مستبعدًا بل منطقيًا أن يكون من سلّم المواقع قادرًا على تسليم الإحداثيات وأن يكون من خان الأمس مستعدًا لبيع اليوم وأن يرسل معلومة تقتل زملاءه وهو يتوارى خلف الزي أو الصفة أو الادعاء
الخائن في الداخل هو الخطر الحقيقي وهو الذي يفتح الثغرة وهو الذي يحوّل المؤسسة إلى هدف ويحوّل التجمع إلى مأتم ويحوّل الصمت إلى شراكة كاملة ولهذا فإن أي حديث عن نصر أو استقرار دون تفكيك الخيانة الداخلية ومحاسبة شبكات الإحداثيات حديث فارغ لأن الحرب لا تُخسر من الخارج فقط بل تُطعن من الداخل ومن لا يواجه هذه الحقيقة اليوم سيدفع ثمنها غدًا مضاعفًا.




