ودارت الدوائر
تحول شبح المجاعة نحو ممرات هرمز ، وتهديد دول الرفاه.
خبير اقتصادي: 40% من مواد مصر الخام مصدرها السودان.. واستقرارنا صمام أمان للمنطقة.
د. الفاتح يوسف: سوق الذهب في دبي “بيئة غير آمنة” وحذرت سابقاً من الارتهان للمغامرات الربحية.
النظرية الاقتصادية “سرمدية انتقالية” وتتأثر بالمناخات الجيوسياسية.
حوار:_ وداد الماحي
بينما كان العالم ينشغل برسم خرائط الجوع في السودان، كانت المتغيرات الجيوسياسية تخبئ مفاجأة من نوع آخر. فمع اشتداد فتيل الصراع الإقليمي وتلويح إغلاق مضيق هرمز —الشريان الأوحد للإمداد— بدأت نواقيس الخطر تدق في أروقة دولة الإمارات العربية المتحدة.
في هذا الحوار الخاطف عبر الهاتف، نلتقي بوزير التجارة والتموين السوداني السابق، الدكتور الفاتح عبد الله يوسف، ليضع النقاط على الحروف حول مآلات نقص المخزون الاستراتيجي، ولماذا صمد السودان “المحاصر” بينما تعثرت دول “الرفاه” عند أول اختبار لسلاسل الإمداد.
اليكم نص الحوار:
س: سعادة الوزير، نبدأ من تصريحك الصادم.. تتحدث عن تحول دراماتيكي يضع الإمارات أمام خطر حقيقي لنقص الغذاء خلال أسبوع واحد فقط. كيف وصلنا إلى هذه النقطة الحرجة بهذه السرعة؟
د. الفاتح: الحقيقة المرة التي يجب أن يواجهها الجميع الآن هي “ارتهان المصير للممرات”. مع تطورات الحرب الحالية، أدى إغلاق مضيق هرمز إلى قطع الشريان الأبهر لسلاسل الغذاء والدواء المتجهة للإمارات. هذا الممر ليس مجرد طريق، بل هو “الرئة الوحيدة” لدول تعتمد كلياً على الاستيراد. بمجرد انسداده، بدأ المخزون الاستراتيجي يتآكل بتسارع مخيف، مما يجعل شبح المجاعة حقيقة محتملة خلال أيام إذا استمر الإغلاق.
س: لطالما صنف المجتمع الدولي السودان كدولة مهددة بالمجاعة، لكنك كنت تجزم دائماً بأن “السودان لن يجوع”.. على ماذا كنت تراهن وسط كل هذه الحرائق؟
د. الفاتح: نعم، قلتها وسأظل أرددها: السودان لن يجوع. الفارق هنا يكمن في “الأرض”. العالم يرتكب خطأً فادحاً حين يقيس الأمن الغذائي بالأرصدة البنكية والسيولة النقدية فقط. السودان يملك اقتصاداً حقيقياً مرتبطاً بالإنتاج المباشر (أرض، ماء، وزرع)، بينما الدول التي تعتمد على الاستيراد بنسبة 100\% تكتشف فجأة أنها بلا “اقتصاد موازي” يحميها وقت الأزمات الكبرى. القوة هي ما تزرعه، لا ما تملكه من مال للشراء.
س: هل أفهم من حديثك أن “دوران الدوائر” الذي نشهده اليوم هو الدرس القاسي للجغرافيا السياسية؟
د. الفاتح: تماماً. هكذا تدور الدوائر على من لا يملك سيادة على موارده. مأساة الاعتماد الكلي على الخارج تظهر عند إغلاق أول بوابة بحرية. من كان يظن أن السودان الذي ينهشه الصراع سيصمد غذائياً بفضل موارده الذاتية، بينما تواجه دول الرفاه خطر النفاد بمجرد تعثر سلاسل الإمداد العابرة للحدود؟ العبرة دائماً بالسيادة على المورد، لا بالقدرة على الشراء؛ فالمال لا يؤكل حين تغلق الممرات
س: أمام هذا المشهد القاتم وانغلاق ممرات الإمداد التقليدية، هل ثمة مخارج واقعية لهذه الأزمة؟ وكيف ترى مستقبل “الأمن الغذائي” في المنطقة بعد هذا الدرس القاسي؟
د. الفاتح: الحل الوحيد والمستدام هو “العودة إلى الأرض”. لا بديل عن الاستثمار في الإنتاج الحقيقي داخل محيط جغرافي آمن. هذه الأزمة أثبتت أن المال وحده لا يكفي لبناء أمن غذائي حقيقي إذا كنت لا تملك السيطرة على مصدر الغذاء أو مسارات وصوله. السودان، رغم جراحه، يظل هو “المخزن الاستراتيجي” الأضمن للمنطقة؛ فالتكامل المبني على الإنتاج الزراعي والحيواني هو الحصن الوحيد ضد تقلبات الجيوسياسة. الدرس الذي يجب أن يتعلمه الجميع اليوم هو أن السيادة الحقيقية تبدأ من الحقل، لا من الميناء.
س: لطالما كنت صوتاً ينادي بضرورة فك الارتباط بسوق الذهب في الإمارات، والبحث عن بدائل أكثر أماناً. اليوم ومع تعثر المسارات الجيوسياسية، هل تجد في “دوران الدوائر” هذا تصديقاً لرؤيتك الاستشرافية حول هشاشة هذا السوق؟
د. الفاتح: بكل تأكيد، وهذا هو لبّ الصراع. لقد كنت أنادي دائماً بضرورة الخروج من جلباب سوق الإمارات الذي ظل لفترة طويلة هو الملاذ الوحيد المسيطر على سوق الذهب السوداني. دراساتي لهذا السوق أكدت لي مبكراً أنه “بيئة غير آمنة” لاعتبارات جيوسياسية بحتة؛ فهو يعتمد على استثمارات سريعة الربحية (Hot Money)، مما يجعله سوق “مغامرة” يفتقر للثبات والاستدامة.
س: هل تقصد أن النظريات الاقتصادية التي تحكم هذه الأسواق لم تعد صالحة لمواجهة تقلبات المناخ السياسي الحالي؟
د. الفاتح: الاقتصاد ليس قرآناً صامتاً، بل هو “نظرية سرمدية انتقالية”؛ بمعنى أنها متغيرة وحيوية، تتأثر بتغير المناخات والبيئات وحتى “المزاجات” السياسية. الرهان على سوق يعتمد كلياً على سلاسل إمداد هشة وممرات مهددة هو خطأ استراتيجي. السودان اليوم يدفع ثمن هذا الارتباط، لكنه في الوقت ذاته يقدم الدرس الأهم: أن الاقتصاد الحقيقي هو الذي يمتلك جذوراً في الأرض لا أرقاماً في شاشات التداول التي قد تنطفئ بإغلاق مضيق أو اشتعال جبهة.
س: بالحديث عن الامتداد الإقليمي وتأثر دول الجوار، كيف ترى انعكاس هذا المشهد على مصر؟ وما هي الرسالة التي يجب أن تلتقطها القاهرة من هذه الأزمة؟
د. الفاتح: لا يمكننا عزل أي دولة في المنطقة عما يحدث، وما مصر ببعيدة عن هذا التأثير الجيوسياسي. فالدولة المصرية تعتمد في هيكل صناعتها وإنتاجها على ما يقارب 40% من المواد الخام السودانية. هذا الرقم يعكس حجم التشابك المصيري؛ فإذا تعثر الإنتاج أو الإمداد في السودان، ستتأثر المصانع والأسواق المصرية بشكل مباشر. الدرس هنا يتجاوز حدود السودان ليقول: إن استقرار “سلة الغذاء والمواد الخام” في السودان هو صمام أمان للأمن القومي والاقتصادي المصري وللمنطقة بأسرها.
ختاما :_
بهذا المنطق الاقتصادي الصارم، يضع د. الفاتح يوسف العالم أمام حقيقة تجردت من الأرقام الصماء لتصطدم بواقع الجغرافيا؛ فبينما يصارع السودان من أجل الاستقرار، يظل إنتاجه الذاتي هو درعه الواقي، في وقت كشفت فيه “الممرات المغلقة” هشاشة الاعتماد الكلي على الاستيراد
#السودان #الإمارات #مصر #المنطفة العربية #مضيق_هرمز #الأمن_#الغذائي
#اقتصاد #الصحفية#وداد الماحي.




