قبل نحو عشرة أعوام، وقف وزير الدفاع السوداني “عبد الرحيم محمد حسين”، أمام البرلمان ليقدم بيان كشف رواتب وزارته، لكن ما قاله حينها تجاوز كونه بيان أداء وزاري ليغْدُو بيان أداء دولة، حينما شكا علناً؛ ضعف الإقبال على التجنيد بالقوات المسلحة، بسبب ضآلة المرتبات وتدني العملة وتفضيل الشباب العملَ في مناطق تعدين الذهب، أتى هذا الحديث بعد سنوات معدودة من اِنفصال جنوب السودان، حيث فقدت البلاد أكثر من 70٪ من مورد النفط الموجود أصلا في أراضي جنوب البلاد، وإزاء ذلك تدهورت العملة المحلية، وبدأ التوجه للتنقيب عن الذهب الذي حل محل النفط كمورد رئيسي، واِتجهت قطاعات واسعة من الشباب لمناطق التعدين الأهلي التي أصبحت جاذبة، في بلد يعاني اِرتفاعا مستمرا في معدلات البطالة.
وزير الدفاع مضى أكثر من ذلك، حيث أشار إلى أنّ تغطية العجز في الجيش تتم عن طريق الاستعانة بمنسوبي الخدمة الوطنية والدفاع الشعبي، وأنّ مشاريع التأهيل الخاصة بالجيش لا تصل نسبة تنفيذها 50%، كان ذلك منتصف العام 2014
عرض الحالة الذي قدمه وزير الدفاع آنذاك طرح سؤالا جوهريا؛ هل تستبدل الدولة الجيش النظامي بالميليشيات والكتائب؟ وما أثر ذلك مستقبلا؟
غير بعيدٍ عن تلك الفترة برز اِسم “محمد حمدان دقلو” بوصْفه قائدا لمجموعة مساندة للجيش في حربه ضد الحركات المتمردة في دارفور حينها، هذه المجموعة هي متحوّر جديد من القوات سيئة السُمعة؛ التي عُرفت باسم “الجنجويد” والتي استخدمتها الحكومة المركزية باكرا حينما انفجرت الحرب في دارفور عام 2003.
و”الجنجويد” هي مجموعات تنتمي للقبائل العربية في غالبيتها، تحالفت مع الحكومة المركزية وعملت في حراسة الحدود سابقا قبل أن تتوسع وتصبح ميليشيا مقاتلة بجانب الجيش الحكومي ضد الحركات المتمردة المنحدرة من أصول زنجية، وخاضت هذه المجموعات بالتحالف مع الحكومة المركزية؛ حروبا ذات طابع إثني في دارفور.
وشاع اِسم “محمد حمدان” وقتذاك حينما ظهر في مقطع فيديو متباهيا بجماعته المقاتلة مزدريا ومتحديا الجيش النظامي. إذ قال: “نحن الحكومة، وحينما يكون للحكومة جيش، سنتفاهم، ونحن من نأمر باعتقال فلان أو إطلاق سراحه، والذي لا يقاتل لا ينبغي أن يكون له رأي”.
هذا التصريح والنفوذ الذي لعبه “حميدتي” في رسم المشهد الفوضوي كان مؤشرا جليا للحافة التي وصلت إليها البلاد، وإنذارا خطيرا لما ستكون عليه الأوضاع.
وبعد عام واحد فقط من هذه الحادثة تربع اِسم “محمد حمدان دقلو” المعروف أيضا ب”حميدتي” على المشهد العسكري حينما قاد معركة نوعية ضد أبرز حركات دارفور والتي يقودها جبريل إبراهيم تحت اِسم حركة العدل والمساواة، وقد مثلت هذه المعركة المعروفة باسم “قوز دنقو” نقطة فاصلة في كسر شوكة الحركات المسلحة التي كانت تقاتل حكومة عمر البشير وقتها، وكثيرا ما يُشار إلى هذه المعركة بأنها كانت نهاية حقيقية لتمرد الحركات المسلحة في دارفور، ويُنظر إلى تلك المعركة أنها أيقظت طموحا سياسيا لحميدتي، ورويدا رويدا أصبح قوة مستقلة عسكريا واقتصاديا، وأجاز البرلمان السوداني في العام 2017 قانونا خاصا بهذه القوات؛ وسط جدل واسع، وقدْ أقرّ القانون تبعيتها للقوات المسلحة وأن تعمل تحت إمرة القائد الأعلى وهو رئيس الجمهورية وقتذاك، واحتفظ القانون باستقلاليتها في الميزانية، وأكد على أحقية رئيس الجمهورية في دمجها في القوات المسلحة في أي وقت، وعطفا على مهامها المساندة للجيش في حماية الحدود وأمن البلاد، نص القانون على أن تقوم بأي مهام يكلفها بها رئيس الجمهورية.
تاريخ طويل في الاعتماد على الكتائب والميليشيات
اِعتمد الجيش بشكل كامل على قوات الدعم السريع في حربه ضد الحركات المسلحة في دارفور، واتخذت الحرب طابعا إثنيا، إذ تحالفت الحكومة المركزية مع القبائل العربية لكبح صوت الحركات المعارضة ذات الأصول الزنجية، والواقع فإنّ للحكومة المركزية تاريخ طويل في صناعة الميليشيات وعلى نحو خاص تجنيد القبائل العربية، لكن خلال فترة البشير (1989 – 2019) والتي شهدت تمردا واسعا في إقليم دارفور تحول هذا الأمر إلى أكثر من مجرد تجنيد أو استخدام لأغراض وقتية، إلى تحالف مركزي، حيث تغلغلت قوات الدعم السريع داخل المنظومة العسكرية النظامية وخلقت علاقات إقليمية واسعة حينما انخرط السودان في حرب اليمن في العام 2015 ضمن قوات تحالف تقودها المملكة العربية السعودية، إذ شارك الجيش وقوات الدعم السريع في القتال هناك ولا تزال مجموعات كبيرة من الطرفين تحرس حدود المملكة العربية السعودية، وعطفا على ذلك، فقدْ شاركت قوات الدعم السريع في القتال في ليبيا بجانب قوات حفتر تحت رعاية إماراتية مما مهد لها خلق تحالف رئيسي مع دولة الإمارات.
كل ذلك كان يحدث برضا ومباركة قيادة الدولة في السودان والتي نحت آنذاك نحو تحالف خليجي مقابل قطع العلاقات مع إيران، وكانت مؤسسات الدولة تتصدى لأي صوت ينبه لمخاطر وجود تشكيلات مسلحة بشكل مستقل، وكانت الحكومة وحاضنتها السياسية ممثلة في الحركة الإسلامية إبان فترة عمر البشير تمثل جدار صد وغطاءً سياسيًا وأخلاقيًّا لكل جرائم هذه الميليشيات في دارفور، حيث ارتكبت إبادات جماعية على أساس العرق ومارست فظائع لا حصر لها وحرقت القرى وشردت أهلها بمعاونة وتغطية الجيش طبعا، وانتهى الأمر إلى أن أصبح عمر البشير مطلوبا للمحكمة الجنائية جراء ما حدث في حرب دارفور.
سنوات بعد ذلك سقط البشير في 2019 وصعدت هذه القوة على سدة الحكم توازيا بجانب الجيش، ولأنها وضعت بصمتها في ميادين القتال وأسهمت بفاعلية في إطالة عمر نظام البشير، ولما كان حيادها خلال التظاهرات ضد البشير مرجحا للكفة فقد كانت ثورة ديسمبر بالنسبة إليْها فرصة لقطف ثمار ما قدمت، لكن المنافسة حول الحكم انتهت إلى مواجهة مسلحة مع الجيش ثم إلى حرب لا تزال البلاد ترزح تحت وطأتها.
حيث أن ما بلغه السودان الآن لم يكن فقط نتيجة طبيعية لوجود جيش موازٍ للجيش النظامي فحسْب، بل كذلك حصاد سنوات طويلة من اعتماد الجيش كليا أو جزئيا على المليشيات المساندة وتبعيته لها، ففي حرب الجيش ضد الحركة الشعبية في جنوب السودان والتي انتهت بإعلان دولة جنوب السودان عام 2011 ، كانت قوات الدفاع الشعبي تمثل قوة رئيسية في الميدان وتتشكل بالأساس من عناصر موالية للحركة الإسلامية فكرا وعقيدة بالإضافة على عناصر قبلية في مناطق التماس ضمن إقليمي كردفان ودارفور المتاخمين لجنوب السودان.
قد يقول قائل إن فكرة الكتائب أو الأذرع المساندة موجودة في كثير من دول العالم، وتعمل هذه المجموعات تحت إدارة الجيوش النظامية، غير أن الوضع في السودان مختلف، نظرا للتعقيدات السياسية والإثنية مع غياب نموذج الدولة الحديثة.
الجيوش المتعددة؛ معضلة قديمة تشعبت مع الحرب
لحظة سقوط حكومة عمر البشير التي حكمت مدّة ثلاثين عاما، كانت الفرصة مواتية لمعالجة هذه المسألة علاجا جذريا وطي صفحة الصراع المسلح إلى الأبد، خاصة وأن فترة البشير شهدت أوسع تمرد مسلح في السودان وربما في الإقليم، حيث تعددت التشكيلات العسكرية المناهضة لحكومة البشير في دارفور على وجه خاص وفي شرق البلاد.
إزاء ذلك، وقّعت نحو سبع حركات مسلحة اِتفاقا للسلام مع الحكومة الانتقالية سنة 2020 باستثناء حركتين اثنتيْن، هما الحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو والتي تسيطر على مناطق جنوب كردفان، وحركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور والتي تسيطر على بعض المناطق حول جبل مرة بدارفور.
وتنص الاتفاقيات على المشاركة السياسية في هياكل الدولة بحصص محددة، أما بالنسبة لمقاتلي هذه التنظيمات فيخضعون للترتيبات الأمنية المنصوص عليها في اتفاقيات السلام والتي تعنى بعمليات الدمج والتسريح، لكن قبل أن تكتمل هذه الترتيبات والتي واجهت عثرات عديدة؛ انفجرت الحرب في السودان.
في التاريخ القريب، وقبل بروز قوات الدعم السريع، دفعت البلاد ثمنا باهظا للتباطؤ المصاحب لتنفيذ الاتفاقيات، بعد اتفاق نيفاشا 2005 والذي أنهى حربا أهلية استمرت 20 عاما بين الحكومات المركزية المتعاقبة والحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق والتي انتهت بإعلان دولة في جنوب السودان، لم تحسم الحكومة السودانية قضية الترتيبات الأمنية الخاصة بمنطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق المتاخمتين لجنوب السودان، وبعد انفصال الجنوب انفجرت الحرب في هذه المناطق وظلت بقايا الحركة الشعبية في شمال السودان محتفظة بمناطق سيطرتها وجيوشها.
ولا تزال مناطق بجنوب “كردفان” تحت سيطرة الحركة الشعبية “الشمال” بقيادة عبد العزيز الحلو الذي تحالف مؤخراً مع قوات الدعم السريع، بينما تحتفظ أيضا بمناطق في النيل الأزرق، رغم أن الحركة الشعبية “الشمال” شهدت انشقاقا كبيرا حيث أصبح عدد من هذه المناطق بالنيل الأزرق تابعا لمالك عقار المتحالف مع الجيش حاليا.
الحرب بيئة خصبة للميليشيات
كشفت حرب 15 أبريل/ أفريل النقاب عن وضع الجيش الحقيقي الذي طالما كان يعتمد كليا على المليشيات لتقاتل نيابة عنه، ومع تمدد وتوسع عمليات التجنيد في صفوف قوات الدعم السريع أصبح الجيش مجرد قيادة وضباط بينما قوات الدعم السريع كانت بمثابة مشاة الجيش، لذلك حينما اندلعت الحرب لم يكن أمام الجيش إلا إغلاق وحداته عليه ليبدأ الاستعداد للحرب بعد تمرد المشاة .
والذي حدث بالفعل أن الجيش قرر حماية نفسه ووحداته مقابل التخلي عن حماية المواطنين، ليبدأ الاستعداد للحرب بعد إطلاق الرصاصة الأولى، وفي غضون ذلك فتكت قوات الدعم السريع بالمواطنين وأعادت سجلها الحافل بالجرائم، ومع توسعها الميداني وتسارع تساقط المدن برزت أصوات المقاومة الشعبية المسلحة والتي تبناها بشكل صريح عناصر النظام السابق، وأظهرت تقارير صحفية تغلغل الحركة الإسلامية في أجسام المقاومة الشعبية في كافة أنحاء البلاد، ولما تخلى الجيش عن حماية المدنيين لم يكن أمام الناس من خيار سوى الانخراط في المقاومة المسلحة لحماية أنفسهم من هجمات الدعم السريع قبل المشاركة في القتال مع الجيش، وتدريجيا تكاثرت التشكيلات التي نشأت على أساس جهوي ومناطقي وإثني تحت مظلة المقاومة الشعبية.
وهكذا، يبدو أنه لا مناص من القول بأن الجيش ولمحاربة ميليشيا واحدة أدخل كل البلاد في وضع -التمليش- وبلغ عدد التشكيلات العسكرية الرئيسية المساندة للجيش أربع مجموعات تتشعّب منها فصائل صغيرة:
المقاومة الشعبية، وقبل أن تأخذ هذا الاِسم كانت عبارة عن عمليات استنفار وتعبئة، أي أن ينضم من يريد القتال تطوعا إلى أقرب وحدة جيش، وكان عناصر النظام السابق من الشباب المنتمين للتيار الإسلامي من أوائل من تبنوا دعوات الاستنفار لهذه العمليات، ويبدو أن الجيش سعى لتخفيف الحمولة الإسلامية في هذه العمليات الشعبية، فقرر توسيع المقاومة الشعبية لتضم كافة الأطياف لتذويب أو إضعاف الزخم الإسلامي الصارخ داخل المقاومة الشعبية. ونشطت تحت لافتة المقاومة الشعبية منذ أشهر الحرب الأولى ما يقرب الأربع كتائب ذات صبغة إسلامية، لكن ليست بالضرورة ذات صلة تنظيمية مباشرة مع مؤسسات النظام السابق، هذا عطفا على عدد من الفصائل الصغيرة ذات الصبغة المناطقية.
وتفاوتت مستويات الاستجابة للمقاومة الشعبية من منطقة إلى أخرى، إلا أن سقوط ولاية الجزيرة على يد الدعم السريع في كانون الأول/ ديسمبر 2023 مثّل نقلة حقيقية لتموضع المقاومة الشعبية في المشهد، ومع تصاعد المخاوف إزاء تهديدات الدعم السريع آنذاك اتسعت المقاومة المسلحة، وهو ما حفّز الانتهاكات الواسعة التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في ولاية الجزيرة وسط السودان المتزامنة مع انسحابات الجيش، تاركين المواطنين لمواجهة مصيرهم.
ويسعى قائد الجيش حاليا للسيطرة على المقاومة الشعبية؛ وذلك بتغيير واسع في قياداتها؛ ومنذ نشأتها تربع على قياداتها رموز النظام السابق أو الموالون لهم، لتنتقل هذه القيادة إلى ضباط جيش سابقين، موالين لقيادة الجيش على الأرجح.
القوة المشتركة لحركات دارفور، وتضم عدد من حركات دارفور الرئيسية التي حملت السلاح ضد حكومة البشير، أبرزها؛ تحرير السودان بقيادة “مني أركو مناوي” وحركة العدل والمساواة بقيادة “جبريل إبراهيم”، وسبق أن وقّعت اتفاق سلام “جوبا” في العام 2020، لكن لم يكتمل اندماجها في الجيش وبقية القوات النظامية، حيث شهدت الفترة الانتقالية اتهامات متبادلة بين الطرفين وشهدت اجتماعات الترتيبات الأمنية تحديدا مشادات كلامية عنيفة بين الجيش وهذه الحركات، وتتهم الحركات الجيش بالتماطل في دمج مقاتليها داخل المنظومة الرسمية.
وحينما انفجرت الحرب كانت جميع هذه الحركات في موقف الحياد لكن مع التقدم الواسع لقوات الدعم السريع في إقليم دارفور قررت فك الحياد واِصطفت مع الجيش في العمليات، ولما كان الاستقطاب حادا بين الجيش والدعم السريع، لم تسلم هذه الحركات التي انقسمت على نفسها، حيث انحازت فصائل منها لقوات الدعم السريع مثلما انحاز نصفها الآخر للجيش، وتشارك القوة المشتركة الجيش في كافة العمليات في وسط السودان وغربه، وتنتشر بشكل كبير في مناطق شمال السودان.
والقوة المشتركة تشكلت لحماية المدنيين في دارفور إبان الحكومة الانتقالية ومع تباطؤ إنجاز عمليات دمج المقاتلين في صفوف القوات النظامية نشطت عمليات تجنيد واسعة لهذه الحركات في عدد من مناطق السودان، الأمر الذي ضاعف أعداد مقاتليها.
قوات درع السودان، يقود هذه القوة “أبو عاقلة كيكل”، كان كيكل متحالفا مع قوات الدعم السريع الى حدود تشرين الأول/ أكتوبر 2024 بعد أن انضم إليْها في آب/ أغسطس 2023 وأصبح قائداً لقطاع الجزيرة لينسلخ لاحقا. وقد فجّر انسلاخه وانضمامه للجيش جدلا واسعا بين مرحب ورافض، وجراء هذا الانسلاخ نفذت قوات الدعم السريع حملات انتقامية واسعة في مناطق مجتمع كيكل الواقعة شرق ولاية الجزيرة، وبعد انسلاخه حشد آلاف المقاتلين وخاض عملية استعادة السيطرة على ولاية الجزيرة بجانب الجيش والقوة المشتركة وطرد قوات الدعم السريع منها، وتخوض قواته حاليا مع بقية التشكيلات العسكرية عمليات في محور كردفان.
تشابه قوات درع السودان في تشكيلتها، قوات الدعم السريع وحركات دارفور من حيث التكوين الإثني والمناطقي، وتعتبر أول حركة مسلحة في وسط السودان الذي لم يعرف في تاريخه التشكيلات العسكرية باستثناء القوات النظامية، ويبدو أن العقل الذي يدير الدولة المركزية حينما أسس هذه القوة بعد سقوط حكومة البشير أراد بها حياكة معادلة إثنية ومناطقية بعد صعود حركات دارفور إلى سدة الحكم.
وتنشط قوات درع السودان في عمليات تجنيد واسعة؛ بمناطق الجزيرة والنيل الأبيض ومناطق سهل البطانة الممتدة ضمن شريط حدودي متصل يربط وسط، شرق وشمال السودان، وتشهد مناطق الجزيرة ونهر النيل تحديدا سباق تجنيد على أساس إثني بين قوات درع السودان والقوة المشتركة لدارفور.
كتائب الإسناد وتضم تشكيلات رئيسية، نشأت استجابة لعمليات الاستنفار والمقاومة الشعبية المسلحة وأبرزها كتيبة البراء بن مالك ذات التوجه الإسلامي ومجموعة “غاضبون” التي تشكلت من عناصر لجان مقاومة ثورة ديسمبر، ويسعى الجيش لطمس الهويات المستقلة لهذه المجموعات في محاولة لكبح أي صوت سياسي لها، حيث لجأ إلى تسميتها بكتائب الإسناد، وتشارك هذه المجموعات بفاعلية في العمليات وكان واضحا إعطاء مجموعة “غاضبون” المرتبطة بثورة ديسمبر كثيرا من الزخم العملياتي كي لا تستحوذ كتيبة البراء على الصوت الشبابي في المجموعات المساندة للجيش.
وعلى الرغم من أن جميع هذه التشكيلات تحت إدارة الجيش الذي يتولى صرف رواتبها، إلا أن بعضها يمتلك هويته وخطابه الإعلامي المستقل ومناطق نفوذه حيث يمتلك بعضها مصادر دخل مستقلة.
ونتيجة لهذا التوسع انتشرت الجماعات المسلحة في كل البلاد، وتشهد عدد من المناطق سلطات مستقلة لبعض هذه المجموعات، حيث تنشر ارتكازاتها على الطرق وتمارس بعضها فرض جبايات على العابرين من منطقة إلى أخرى، ولا تخلو بعض المناطق من احتكاكات مستمرة بين المواطنين وعناصر هذه التشكيلات من جهة واحتكاكات بينها وعناصر الجيش من جهة أخرى، وصلت حد وقوع ضحايا برصاص المسلحين، وتمارس بعض الفصائل سلطات اعتقال مستقلة عن الجيش والأجهزة الأمنية. وفتحت دعوات المقاومة الشعبية الباب واسعا أمام مرتادي الإجرام وأصحاب السوابق والذين ينشطون في التهريب وتجارة المخدرات، وذلك لحماية أنشطتهم. وإزاء ذلك اضطرّ المواطنون في بعض المناطق للتسلح حماية لأنفسهم.
الدعم السريع؛ سياسة تجييش القبائل
لم تكن قوات الدعم السريع بحاجة إلى مقاتلين في شهور الحرب الأولى، لكن ومع توسع انتشارها العسكري وسط السودان اتجهت للتجييش وسط القبائل الموالية لها مما عرّض النسيج الاجتماعي لتشظٍ غير مسبوق، واعتمدت بشكل رئيسي على ما يعرف ب “الفزع” وهي أقرب لسياسة المقاولة، حيث تقوم بإعداد مجموعات كبيرة لتنفيذ عمليات عسكرية محددة، ولا تجد قوات الدعم السريع صعوبة في استجابة القبائل، فمنذ صعود “محمد حمدان دقلو” إلى سدة الحكم في العام 2019 سعى للسيطرة على الإدارات الأهلية حيث أغدقها بالعطايا، وتقوم هذه الإدارات بحكم نفوذها الاجتماعي بالدفع بشباب القبائل للقتال مع الدعم السريع، ورغم بروز بعض الأصوات الداعية لوقف تجنيد شباب القبائل إلا أن قيادات الإدارة الأهلية مستمرة في دفع شبابها للقتال علاوة على الرواتب المغرية التي تدفعها قوات الدعم السريع، عطفا على عمليات النهب والسرقة أو ما يعرف بغنائم الحرب.
وتعد الإدارات الأهلية نظام حكم تقليدي يقوم على رأسه النُظار والعمد، ولا يلغي هذا النظام القوانين الرسمية للدولة، لكن سطوة الإدارة الأهلية في مناطق دارفور وكردفان يتفوق على النظام الرسمي للدولة، وتلجأ الدولة في كثير من الأحيان للإدارات الأهلية لتسيير أمور مناطقها وفقا لما تراه ملائما خاصة في مسائل الصراع على الأرض والاقتتال.
وتدين غالبية القبائل في هذه المناطق بالولاء لقوات الدعم السريع لأسباب عرقية أو مناطقية، فيما تواجه بعض هذه القبائل انقسامات حادة بسبب الاستقطاب الشديد بين الجيش وقوات الدعم السريع، ومع هذا التجييش الواسع انضمت إلى قوات الدعم السريع في هذه الحرب عدد من الحركات والفصائل المسلحة، وهي:
فصائل من القوة المشتركة لدارفور، وهي فصائل الحركات الموقعة على اتفاق سلام جوبا، والتي تحدثنا عنها آنفا، حيث اختارت هذه الفصائل الانحياز مؤخرا لصفوف الدعم السريع وتقاتل بجانبها.
حركة تمازج، وهي إحدى الحركات التي ظهرت على السطح إبان الحكومة الانتقالية، حيث وقعت على اتفاق سلام جوبا دون أن يعرف لها تاريخ في العمل المسلح ضد حكومة عمر البشير، وهي تتشكل من بقايا قوات قبائل التماس التي قاتلت سابقا بجانب الجيش ضد الحركة الشعبية تحت لافتة الدفاع الشعبي، ثم انتقلت بعض عناصرها للقتال في جنوب السودان إبان حرب 2013
حركة شجعان كردفان، وهي ذات الصوت الأعلى إعلاميا، وتتشكل من عناصر قبيلة المسيرية بشكل رئيسي، وتعبر بشكل صارخ عن القبيلة والتي تشكل الكتلة الرئيسية الثانية في قوات الدعم السريع بعد قبيلة الرزيقات التي ينتمي إليها محمد حمدان دقلو، وتأسست مجموعة شجعان كردفان من بقايا عناصر كانت تتبع لقوات الدفاع الشعبي وشاركت في القتال بفاعلية في ليبيا، وبعد نشوب الحرب في السودان انضمت للقتال بجانب قوات الدعم السريع، ولدى رموز هذه المجموعة تأثير واسع في وسائل التواصل الاجتماعي وحاولت بقدر الإمكان أن تتخذ موقفا مستقلا داخل الدعم السريع معتدة بتاريخها القتالي الشرس لكن قائدها قتل بغارة جوية في ظروف غامضة.
فصائل مجلس الصحوة، وهذه مجموعات انشقت عن الزعيم القبلي موسى هلال واصطفت مع قوات الدعم السريع، وهي الأقرب عربيا لقوات الدعم السريع، ويعتبر زعيمها موسى هلال مؤسس الجنجويد في نسختها الأولى، لكن خلافات عميقة بسبب التنافس وقعت بينه و”محمد حمدان دقلو”، مما جعله يتخذ موقفا أقرب للجيش، وتجدر الإشارة إلى أن الحكومة المركزية وفي سعيها لكبح طموح الزعيم القبلي “موسى هلال” دعمت بشكل لا محدود تلميذه حميدتي.
وتساند قوات الدعم السريع بعض الفصائل الصغيرة الأخرى، لكن من الواضح جدا أن كل هذه المجموعات ذابت داخل الدعم السريع، ولا يُسمع لها خطاب سياسي أو إعلامي مستقل كما هو حال بعض التشكيلات المساندة للجيش، باستثناء حركة شجعان كردفان التي سعت للاستقلالية، لكن لم يسمع لها صوتٌ بعد مقتل قائدها وأسر رموزها.
وربما لا تحتاج هذه التشكيلات لاتخاذ مواقف مستقلة، ذلك لأن الرواتب التي توفرها قوات الدعم السريع ربما تكون مجزية أكثر، هذا من جانب، ومن جانب آخر يبدو أن القوة الأساسية في الدعم السريع هي صاحبة اليد العليا في ميادين العمليات.
هذا الواقع خلّف بيئة إجرامية وانفلاتًا أمنيًا غير مسبوق في مناطق الدعم السريع والتي ينزح إليها عادة غالبية سكانها، وتسعى قوات الدعم السريع التي أعلنت عن حكومة موازية في مدينة نيالا بجنوب دارفور إلى تأسيس حكم أو نمط إدارة لهذه المناطق لكنها تفشل على الدوام بسبب عدم انضباط عناصرها، والانتشار الواسع للسلاح، كما أن إقليم دارفور لم تلتئم جراحه من حرب 2003 بعد.
شرق السودان…. وضع استثنائي
عدّت تقارير صحفية نشاط ثمانية فصائل مسلحة في شرق السودان، بعضها نشط قبل الحرب والبعض الآخر نشأ أو توسع بعد حرب 15 أبريل، وللتذكير فإنّ لشرق السودان إرث تاريخي في التشكيلات العسكرية منذ أواخر التسعينات حتى توقيع اتفاق سلام شرق السودان في 2006، بين بعض هذه التشكيلات والحكومة المركزية بقيادة عمر البشير وقتها، ورفضت بعض الفصائل الدخول في أي اتفاق سلام مفضلة الاحتفاظ بقواتها داخل الأراضي الإريترية، وبعد انفجار الحرب في الخرطوم ظل شرق السودان في منجى منها، ومع اشتداد الحرب وتوسع دائرتها، نشط العمل المسلح في هذا الإقليم ذو الأهمية الجيوسياسية، فقد برز على السطح عدد من الفصائل المسلحة والتي تلقت تدريبا داخل الأراضي الإريترية، ولما كان شرق البلاد تسود فيه الزعامة القبلية، تحولت هذه الفصائل إلى مظلات للاستقطاب الإثني الحاد بين مكونات الشرق المنقسمة بين مناصري الجيش ورافضي الحرب، خلال هذا الشهر وقعت 5 فصائل مسلحة، على ميثاق تحالف “شرق السودان”، وأعلنت في خطاب جماهيري ضخم أنها ضد الحرب؛ ما يعني أنها تنأى بنفسها عن مساندة الجيش في حربه ضد “قوات الدعم السريع”، وعلى التوالي ظلت بعض القيادات الأهلية والفصائل بشرق السودان تعبر عن عدم قبولها انتقال الحكومة المركزية إلى بورتسودان، وهي تفسر ذلك بأنه محاولة لنقل الحرب إلى شرق السودان.
ولما كان هذا الإقليم محط أنظار القوى الإقليمية والدولية لما يمتلكه من موانئ، يُنظر إليه الآن باعتباره قنبلة موقوتة، ربما تنفجر في أي لحظة
وهكذا وجد السودانيون أنفسهم أمام واقع جديد لا فكاك منه دون دفع ثمن جديد، لأنه أكثر تعقيدا مما كان عليه الحال، إذ فكّكت الحرب كل المراكز التقليدية لصالح قوى جديدة؛ في الغالب مناطقية وإثنية مسلحة، هذا الواقع الذي يبدو أنه يتشكل في حرب 15 أبريل إلا أنه نتيجة طبيعية ومنطقية لتراكم طويل من الأخطاء والتباطؤ في إنجاز المهام الوطنية الكبرى ومعالجة الاختلالات الجوهرية في هيكل الدولة السودانية، لكن ومع ذلك تتعدد الروايات بشأن هذه الحرب، وتسعى المجموعات السياسية لإلصاق أسباب هذه الحرب بالدوافع السلطوية لهذه المجموعات، بينما الواقع أن السودانيين يتحملون الآن ثمن سوء إدارة الدولة وتراكم الواجبات الوطنية الكبيرة، ورغم أن تجربة الحرب بين الجيش وذراعه قوات الدعم السريع التي تسعى لابتلاع البلاد، ينبغي أن تذّكر أن جذور هذه الأزمة ليست وليدة الفترة التي صعدت فيها قوات الدعم السريع إلى سدة الحكم إلا أنه ومما يؤسف أن تجربة الحلول العقيمة تعاد على نطاق واسع، رغم أن ذات الحلول هي ما أورثت البلاد ما هي عليه الآن مرارا.




