هناك خطأ أخلاقي كارثي نعيشه اليوم في السودان خطأ لا يتعلق بالسياسة وحدها بل يتعلق بانهيار الضمير ذاته حين يقف بعض الناس في هذا الخراب العظيم وهم يظنون أن بيع الوطن يمكن أن يمنحهم الأمان وأن من يفتح أبواب بلده للمرتزقة ويبرر خراب المدن ويدافع عن المليشيات يمكن أن ينجو وأن التاريخ يمكن أن يغفر وأن البلاد يمكن أن تنسى لكن الحقيقة القاسية التي لا يريد هؤلاء مواجهتها أن الخائن لا يصبح آمناً لأنه خان بل يصبح أول ضحايا الخيانة وأن الذين يظنون أن تسليم المدن أو تبرير الجرائم أو الاصطفاف مع من يحرق القرى ويغتصب النساء ويقتل الأبرياء سيمنحهم مكاناً آمناً في المستقبل يعيشون في أكبر وهم أخلاقي عرفته هذه البلاد لأن الوطن حين يسقط لن يجدوا جداراً يختبئون خلفه ولن يجدوا أرضاً يقفون عليها ولن يجدوا اسماً يحميهم فالوطن ليس فندقاً نغادره حين تضيق بنا الغرف وليس سلعة نبيعها حين ترتفع الأسعار الوطن هو السقف الوحيد الذي يحمي الجميع ومن يثقب هذا السقف بيديه لن ينجو من المطر ولن ينجو من العاصفة ولن ينجو من اللعنة التي تطارد كل
من باع بلده مقابل حفنة سلطة أو حفنة مال أو وهم انتصار مؤقت الذين يظنون أنهم أذكى من التاريخ وأنهم قادرون على المراوغة بين الخراب والمصلحة لا يعرفون أن التاريخ أكثر قسوة من كل حساباتهم وأن الشعوب قد تنسى أحياناً لكنها لا تنسى الخيانة وأن الأوطان قد تنكسر لكنها لا تسامح الذين طعنوها في الظهر وأن كل من يقف اليوم في صف تدمير السودان ويتحدث عن الوطنية بلسان ملوث بالدم إنما يمارس أكبر عملية خداع عرفها الضمير السوداني لأن الوطنية ليست شعاراً يرفع في الخطب ولا منشوراً يكتب في وسائل التواصل ولا قصيدة تردد في لحظة حماس الوطنية موقف أخلاقي في لحظة السقوط الكبرى الوطنية أن ترفض خراب بلدك حتى لو كان الخراب يخدم معسكرك السياسي الوطنية أن تقف ضد قتل الأبرياء حتى لو كان القاتل من جماعتك الوطنية أن تقول لا حين يصمت الجميع وأن تقول الحقيقة حين تتحول الأكاذيب إلى جوقة صاخبة تدافع عن الخراب لكن ما نراه اليوم هو شيء آخر وطنية موسمية تظهر حين تكون آمنة وتختفي حين يصبح الموقف مكلفاً نرى سياسيين يبيعون البلاد في أسواق الإقليم مقابل كراسٍ هشة ونرى أبواقاً تبرر الجرائم لأنها جاءت من معسكرها ونرى أشخاصاً فقدوا القدرة على رؤية السودان كوطن واحد فصاروا يرونه قبائل تتقاتل ومدناً تستحق الحرق ومدنيين يمكن التضحية بهم في لعبة السلطة هذه ليست وطنية هذا سقوط أخلاقي كامل لأن الوطن لا يسقط فقط حين تقصف مدنه الوطن يسقط حين يموت في قلوب أبنائه وحين يصبح الانتماء للقبيلة أقوى من الانتماء للسودان وحين يصبح الولاء لزعيم حرب أهم من الولاء لدماء الأبرياء وحين يقف بعض الناس في صف الخراب وهم يظنون أنهم سيخرجون سالمين لكن الخراب لا يصنع شركاء بل يصنع ضحايا والذين يساعدون على هدم البلاد لا ينظر إليهم كحلفاء بل كأدوات مؤقتة تنتهي صلاحيتها فور انتهاء المهمة وهذه هي الحقيقة التي يهرب منها كل من يبيع وطنه اليوم فالبائع لا يشتري مستقبلاً بل يشتري لعنة التاريخ ولا يبني لنفسه مكاناً آمناً بل يحفر اسمه في قائمة العار التي لا تمحى لأن كل الأمم التي مرت بالمحن عرفت هذا النوع من البشر أولئك الذين ظنوا أن الوقوف في صف الخراب سيمنحهم مكاسب سريعة فاكتشفوا متأخرين أنهم خسروا كل شيء خسروا أوطانهم وخسروا احترام الناس وخسروا حتى احترام أنفسهم ولهذا فإن أكبر كذبة يعيشها بعض السودانيين اليوم هي الاعتقاد بأن بيع الوطن يمكن أن يوفر لهم الأمان الحقيقة أبسط وأكثر قسوة من يبيع وطنه يفقد الشيء الوحيد الذي كان يمكن أن يحميه لأن الوطن قد يُجرح وقد يُنهك وقد تمر عليه الحروب لكنه يبقى في النهاية أقسى قاضٍ على من خانوه والتاريخ قد يطول صمته لكنه لا ينسى أبداً أسماء الذين وقفوا في صف البلاد كما لا ينسى أسماء الذين باعوها.
ماشين في السكة نمد




