في خطوة لا يمكن وصفها إلا بأنها صادمة ومجحفة، تم رفع الدولار الجمركي من 2,827 جنيه سوداني إلى 3,222 جنيه، بزيادة بلغت 395 جنيهاً، أي ما يقارب 14%.
هذه الزيادة ليست مجرد رقم عابر في دفاتر الحكومة، بل هي عبء ثقيل يُلقى مباشرة على كاهل المواطن الذي لم يعد يحتمل المزيد.
الحكومة، التي يفترض أن تكون درعاً يحمي المواطن من تقلبات الإقتصاد، تحولت للأسف إلى أحد أكبر مسببات الضيق المعيشي.
فالدولار الجمركي ليس رقماً فقط، بل هو أساس تُبنى عليه أسعار السلع المستوردة، من الغذاء إلى الدواء إلى مدخلات الإنتاج.
ومع كل زيادة، ترتفع الأسعار بشكل جنوني، دون أي ضوابط حقيقية أو حماية للمستهلك.
المؤلم في الأمر أن هذه القرارات تأتي في وقت يعاني فيه المواطن السوداني أصلاً من تضخم متوحش، وانهيار في القوة الشرائية، وتراجع في الدخل.
فهل بقي شيء لم تمسه الزيادات؟
وهل أصبح المواطن هو الحلقة الأضعف التي تُستهدف كلما عجزت الدولة عن إيجاد حلول حقيقية؟
رفع الدولار الجمركي بهذه الطريقة يعكس غياب رؤية اقتصادية واضحة، واعتماد سياسة “الجباية السهلة” بدلاً من الإصلاح الحقيقي.
فبدلاً من توسيع الإنتاج، وتشجيع الصناعة المحلية، ومحاربة التهريب، يتم اللجوء إلى أسهل الحلول: زيادة الرسوم والضرائب، وكأن المواطن ماكينة لا تتوقف عن الدفع.
الأخطر من ذلك أن هذه الزيادة ستخلق موجة تضخم جديدة، تضرب الأسواق في مقتل، وتدفع بأسعار السلع الأساسية إلى مستويات غير مسبوقة.
التاجر سيحمّل الزيادة على المستهلك، والمستهلك سيجد نفسه مجبراً على تقليص احتياجاته، أو الاستغناء عن أساسيات الحياة.
ثم ماذا بعد؟
إلى متى ستظل هذه السياسات الترقيعية هي الحل الوحيد؟
إلى متى سنعالج الأزمة الاقتصادية عبر جيب المواطن فقط؟
الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح: هذه ليست معالجة إقتصادية، بل هي نقل للأزمة من الدولة إلى الشعب.
وهي سياسة قصيرة النظر، ستزيد من حدة الفقر، وتوسع رقعة المعاناة، وتعمّق الفجوة بين المواطن والدولة.
إن استمرار هذا النهج يعني ببساطة دفع البلاد نحو مزيد من الاحتقان الاجتماعي والانهيار الاقتصادي.
فالجوع لا يصبر، والضيق لا يُحتمل، والكرامة لا تُشترى.
ختاماً:
رفع الدولار الجمركي ليس مجرد قرار مالي، بل هو إختبار حقيقي لمدى إحساس الدولة بمواطنيها.
وحتى الأن، يبدو أن المواطن يُترك وحيداً في مواجهة العاصفة بلا حماية، بلا أمل، وبلا صوت يُسمع.




