*برلين* *مظاهر الضعف وجدلية الحرب والثورة!* *هل مات إعلان الرباعية وصعدت خارطة الخماسية؟* ياسر عرمان*

نعيش في وضع معقد، حيث لا أحد منا يمتلك الحقيقة المطلقة ونحتاج لمزيد من الحوار بين قوى الثورة والتغيير والمناهضين للحرب وتقديم التنازلات لبعضنا قبل غيرنا، لإن القمح مُر في حقول الآخرين.

سُكب حبر كثير حول أهمية مؤتمر برلين وأهمية النداء المشترك، وبالفعل مؤتمر برلين أضاء عتمة الحرب في السودان وجذب اهتماماً إقليماً وعالمياً في ظروف اقليمية ودولية شائكة، لكن من الضروري مناقشة مظاهر الضعف، فبرلين لم تكن المؤتمر الأول بل الثالث مع استمرار الحرب وتفاقم الكارثة الإنسانية، ومناقشة مظاهر الضعف بغرض معالجتها والمضي على خطى توحيد قوى الثورة والتغيير والتي لا يمكن توحيدها إلا بأطروحات صحيحة قادرة على جذب كتلة وزانة وصلبة لا يمكن التلاعب بها.

*الاتحاد الأفريقي والخماسية*:

بعد ٤ شهور من اندلاع حرب ١٥ أبريل سيئة الذكر التي دمرت البلاد وأزلت الشعب، وفي مقر الاتحاد الافريقي باديس أبابا في عام ٢٠٢٣، التقينا برئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي الأستاذ موسى فكي والدكتور محمد الحسن لباد، وفي بداية الاجتماع قال د. لباد : ان لديه تصور كامل وخريطة طريق لوقف الحرب في السودان وانه قد التقى قبل يومين وبنفس المقاعد التي نجلس عليها بالدكتور الدرديري محمد أحمد والدكتور إبراهيم غندور وانهم على استعداد لابتدار حوار سوداني سوداني، وفي نفس الوقت حملت الأسافير تدوير قائمة للحوار السوداني، حوت القائمة (١٥٠) اسم تتجه دوائرها لمصلحة المؤتمر الوطني، حينها رفضنا حديث الدكتور محمد الحسن لباد ورفضنا مكافئة الحركة الإسلامية على جرائمهم في عرقلة الانتقال، ولاحقًا انتهت مهمة محمد الحسن لباد ولكن الطريق الذي شقه وخارطة الطريق التي استهلّها لازالت تحكم مسار الاتحاد الافريقي! من الضروري التأكيد على أهمية الاتحاد الأفريقي ودوره في معالجة القضية السودانية، لكن الأهم هو مصالح الشعب السوداني، وعلينا ان ندرك ان الاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي قد وقعا اتفاقاً مشتركاً قبل مؤتمر برلين بعدة أشهر والذي أعطى قوة دفع أكبر لمسار الاتحاد الإفريقي آنف الذكر والعملية السياسية التي صممت في غياب القوى الديمقراطية المدنية السودانية.

مؤتمر برلين الذي عقد بالأمس سبقته تحضيرات وادارة من قبل الخماسية، وفي برلين نفسها عقد الاتحاد الافريقي الاجتماع الأهم مع المستشار الألماني وهو يمثل السلطة الأعلى في ألمانيا، وعزز الاجتماع الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والأفريقي بحكم موقع ألمانيا في الاتحاد الاوروبي، وبحث اوربا عن فضاءات جديدة في ظل التباين مع السياسة الامريكية الحالية، كما عُقد اجتماع آخر لوزراء الخارجية المشاركين في مؤتمر برلين أو من ينوب عنهم والمنظمات الاقليمية والدولية، ومن ثم عُقد الاجتماع مع الأطراف السودانية، وقد اتى مؤتمر برلين في ظل انشغال اطراف الرباعية بحرب الخليج وتباين مواقف بعض بلدانها مما دفع برياح الوساطة في حرب السودان نحو الخماسية بقيادة الاتحاد الافريقي ومكنها من تمرير أجندتها بما في ذلك النداء المشترك الذي يتم الدفع به ليكون بديلاً لإعلان الرباعية الأكثر دقةً لمعالجة الأزمة السودانية وأكثر إنصافاً لمطالب الشعب السوداني والقوى المدنية!

*الهدنة والعملية السياسية*:

علينا أخذ الهدنة والعملية السياسية كحزمة واحدة على ان يعتمد معالجة الكارثة الانسانية كمدخل للعملية السياسية وليس العكس، ان ما تم في برلين هو ان العملية السياسية والنداء المشترك اصبحت هي المدخل متجاوزة الكارثة الانسانية، واحتفى الاتفاق بين القوى المدنية بالعملية السياسية بصوت يطغى على العملية الانسانية مع اللغة المعتادة عن الهدنة والكارثة الإنسانية دون ضغوط وتأثير فعلي على اطراف الحرب ودون اجراءات وخارطة واضحة للوصول لهدنة ووقف اطلاق النار ومخاطبة الكارثة الإنسانية، مع وعود ببذل الأموال والتي غالباً لن يتم الإيفاء بمعظمها.

الكارثة الانسانية ببساطة تعني حق الحياة، وهو حق الملايين في الآمن والطعام والسكن والعلاج والحقوق الطبيعية وهي مقدمة على الحقوق السياسية، ويجب ان تأتي قبل الحقوق المدنية والسياسية واقتسام السلطة.

في مؤتمر باريس حاولت جهات خارجية وضع الاجندة السياسية قبل الكارثة الإنسانية ورفضنا ذلك، ولكن ما بين اديس وبرلين تم الآن اتخاذ موقف جديد بعيداً عن المطلب الملح في وقف الحرب قبل الانتقال إلى كيفية انهاء الحرب كحزمة واحدة مدخلها انساني حتى نطالب بما يطالب به شعبنا ويخدم مصالحه، والهدنة الانسانية هي المدخل لاتساع وتوسيع الفضاء المدني، وعودة النازحين الذين اخرجوا من بيوتهم دون وجه حق.

اتفاق القوى المدنية في اديس وبرلين أسقط إعلان الرباعية واعلان نيروبي ولم يسقط إعلان الرباعية سهواً بل لفتح الطريق نحو الخماسية والدعوة لمزيد من العمل في المسار السياسي في عجز عن تحريك المسار الإنساني، مما يضعف من القوى المدنية والملايين من أصحاب المصلحة.

حتى لا نذهب بعيداً في المسار السياسي دون مدخله الانساني من الضروري ان يتم حوار رصين بين اطراف قوى الثورة والتغيير يربط بأحكام قضايا الحرب والثورة والتحول المدني الديمقراطي واعتماد خارطة طريق تساعد في الربط الجدلي بين الاجندة الانسانية واجندة العملية السياسية كحزمة واحدة، ودوماً الإغاثة قبل السياسة.

دلت التجربة السودانية ان العملية السياسية والتفاوض هما الصخرة التي تحطمت عندها التحالفات السياسية وتفرقت ايدي سبأ، كما فعلت بالجبهة الوطنية عام ١٩٧٦ وبالتجمع الوطني الديمقراطي اعوام ١٩٩٩-٢٠٠٥، وبقوى ثورة ديسمبر في عام ٢٠١٩، وعلينا عقد مؤتمر شبيه بمؤتمر القضايا المصيرية الذي عقد في عام ١٩٩٥ لمواجهة التحديات الماثلة أمامنا وفي الربط بين أجندة وقف وانهاء الحرب وأجندة الثورة السودانية لمصلحة شعبنا وبلادنا ووحدتها.

*معسكر الخرطوم وبرلين: انسجام أم تناقض، ابداع أم فوضى*؟

اثار انتباهي ان معسكر الخرطوم بعد عودته من بورتسودان بعد طول عناء ومكابدة ومجابدة عمل في برلين على ثلاث مستويات، مجموعة مشاركة داخل القاعة، ومجموعة تتظاهر خارج القاعة ومجموعة ممتنعة ومحتجة وتطالب بالمزيد مثل (أوليفر توسيت) يقودها كامل ادريس والهام شانتير في الإيقاع، ولم أتبين هل هذه خطة منسجمة ام متناقضات؟ وهل تم ذلك في محاولة للإبداع ام ان الفوضى تضرب باطنابها؟ لكن على كل حال فان المستويات الثلاث خدمت نفس الغرض.

*العملية السياسية والقوى التي تحارب*:

العملية السياسية لا يمكن ان تنجح دون التزام واضح وحاسم من القوات المسلحة وحلفائها والدعم السريع وحلفائه وبهدنة انسانية توسع الفضاء المدني وتخلق مناخاً ملائماً لاصحاب المصلحة وبجدول ملزم لكافة الأطراف وبمشاركتهم.

*انهاء الحرب والجيش*:

الجيش مؤسسة تابعة للدولة السودانية وتصرف من عرق شعب كادح، ويجب التمييز بين الجيش والحركة الإسلامية التي اختطفت اجهزة الدولة ومؤسساتها، ويجب انهاء الاختطاف والتمكين وتسيس مؤسسات الدولة.

الجيش يتم اعادة بنائه على اساس من المهنية وازالة الخلل البنيوي والتاريخي واعتماد التنوع السوداني بعقيدة عسكرية تخدم الوطن، واستبعاد الحركة الاسلامية من اختطاف الدولة سيما وانها اكبر حزب مسلح الآن في السودان.

*انهاء الحرب والدعم السريع*:

المطالبة باستسلام الدعم السريع غير عملي ويطيل امد الحرب ويجب التفاوض مع الدعم السريع وحلفائه في اطار بناء سودان جديد وجيش واحد مهني وقومي ودولة تسع الجميع وانهاء تعددية الجيوش والمليشيات واختطاف الدولة لمصلحة تيار سياسي بعينه.

ان أهمية برلين تكمن في ان الحوار حولها وخارجها أعاد طرح امهات قضايا الحرب والثورة من جديد، وعلى قوى الثورة الاتفاق على ما يوحد لا ما يفرق والحوار فيما بينها قبل الذهاب نحو خطوات جديدة.
#نعم_لثورة_ديسمبر
#لا_لحرب_أبريل
#الاغاثة_قبل_السياسة
١٦ أبريل ٢٠٢٦

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole