أبوهو كان ترزي أفرنجي في سوق مدني، أما هو.. فكان سارح في ملكوت خاص بيهو، كأنه راخي سمع روحو لأصوات عوالم الفن والجمال، أما ناس خياطة وأصوات مكنات وجوطة سوق وما تعرف شنو.. دي ما كانت داخلة في زمتو، فاتجنبها وما نجح فيها، بالضبط زي ما إتجنب المدرسة والخلوة و و و.. لا بقرا لا بيكتب ولا بفك الخط، كل شي يقيدو ويحد من حريتو كان رافضو وزاحي منه. الأهل قنعو من نجاحو كترزي، فكلفوهو بخياطة (عراوي) الزراير وبس، صبي ترزي، وحتى دي كان بيكلفتها سريع سريع عشان يتخارج ويمارس هوايتو المحببة: المشي، اللف في الشوارع والزقاقات والحارات.. راخي سمعو ولاقط لكل صوت ونغمة ونمة وجملة ومدحة وحلقة تلاوة و و و.. يسمع، يختزن و.. يواصل كاسح بلا توقف.
ما حصل زول شافو لابس شي جديد.. وهدومو ما كانت إلا: جلابية/ عراقي/ سروال/ طاقية.. ودايماً قديمات متهالكة، ثم مركوب أو شبشب أكل عليه الدهر وشرب.. حالة زهد عجيبة واستغناء عن كل شي بيتجاروا وراهو الناس. قليل الكلام.. مش قليل الكلام؛ نادر الكلام، ولو قال جملتين فبصوت خافت، يتجنب الجوطة واللمات.. بس أديهو المشي على رجلينو.. لافي في الشوارع والحواري والزقاقات والدروب، لدرجة واحد من ظرفاء المدينة قال ليهو: (ياخينا حكايتك شنو إنت؟ طواالي حايم على كرعيك ديل؟؟ الشي شغال “مسّاح”؟)، فلصق فيهو الإسم، وبدل “علي أحمداني” بقى إسمو الأصبح فيما بعد علم في راسو نار: “علي المساح”
“المساح” عمرو ما خط حرف بيدو.. لأنه ببساطة ما بيعرف، كل الشعر الوصلنا منه كتبه واحتفظ بيهو صاحبو اللصيق “مصطفى سعيد”.
اتولد سنة ١٩٠٣م في حي الإسبتالية/ أمدرمان، وهو لسه طفل صغير اتنقل أبوهو لمدينة “ودمدني” كترزي أفرنجي. فما فارقها من الوكت داك لغاية ما فارق هو الدنيا.
إتخاطف شعرو عمالقة المغنيين وكتها: كرومة/ سرور/ زنقار/ ابراهيم عبدالجليل/ أبوداوود وغيرهم وغيرهم.
تستغرب في زول ينظم شعر بالبداعة دي، وأدواتو بس: الفطرة العبقرية الأداهو ليها ربنا.. بلا أي سند معرفي تاني.. إلا ذاكرته الحافظة، وخيالو الشعري المجنح، وروح متمردة مستفة جمال.. شي عجيب.
١٦ / ٦ / ١٩٦٦م إتوفى المساح
رحم الله سيدي/ علي أحمداني (المساح).
_______
يا غُصن الرِّياض المَايد
ما أظن عَن غَرامَك لو أموُت ما أحَايد
سَهرَان ليلي طَال والعين صِحَت مَاها جايد
تَعبان قَصدي لِيمَك وإنتَ نافِر وزاهِد
…
في الجِّيل يا الجَمَالَك سَايد
عينيك ليك جِنودَك وإنتَ لِيهِن قايد
يا الهاجِر جَفيتني بنَظرة عَليّ مَاك عايد
شوفتَك زيّ هِلال العِيد وفيهو بعَايد
…
أنا وحُبك تَرعرَعنا ونشَأنا نَدايد
مِن زمناً قِبيل أيام قُلال وعَدايد
ما خِلِص القَديم وتَبين نَصَايبو جَدايد
حِن يا حَبيب كَفايْ مُرّ العَذاب وشَدَايد
….
يا خُلاصة الحَواري الِمن جنان وخَوالد
حُسنَك ليكْ يَدوم لا أُم تَلِد لا وَالد
رَاسِخ في ظِلال مَجد الطَّريف والتالِد
يا اللابس العَفاف حُليَة وعقود وقَلايد
….
عَانيت في ليَالي هَواك صُنوف وشَدايد
مُشكِلة بين هَواي وجَفاكَ وإنتَ مُحَايد
بَس ما ذَنبي غير صوت النّشيد ونَشايد
في مَدحَك بنيت قَصر الرَّشيد الشَّايد
….
يا غُصن الرّياض المَايد
يا النّاحِلني هَجرَك وإنتَ ناضِر وزايد
هاجرني ليه.. ليك أنا رايد؟




