*السودان والسوق التي لم تولد بعد* محمد كمير 23 سبتمبر 2026*

 

لفت انتباهي مؤخراً تقرير للبنك الدولي عن ما يُعرف بـ«الأسواق الوليدة» أو Frontier Markets، وهي اقتصادات لم تصل بعد إلى مرتبة الأسواق الصاعدة، لكنها بدأت تمتلك ما يكفي من الحجم والموارد والانفتاح المالي لجذب اهتمام المستثمرين. وعند قراءة خصائص هذه الاقتصادات، يصعب ألا يتبادر السودان إلى الذهن، ليس لأنه اليوم سوق وليدة بالمعنى المالي الكامل، وإنما لأنه يمتلك كثيراً من مقوماتها، بينما يفتقد الشروط المؤسسية والاقتصادية التي تسمح بتحويل تلك المقومات إلى نمو حقيقي.

تشكل الاقتصادات الوليدة اليوم قرابة خُمس سكان العالم، لكنها لا تنتج سوى نحو 5% من الناتج المحلي العالمي. وهذه المفارقة تكشف جوهر الفرصة: سكان كُثر، وأسواق استهلاكية واسعة، وموارد طبيعية، لكن إنتاجية منخفضة ورأس مال واستثمار أقل من الإمكانات المتاحة. وهذا الوصف ينطبق بدرجة كبيرة على السودان.

فالسودان يمتلك مساحة واسعة، وأراضي زراعية، وثروة حيوانية، وذهباً ومعادن، وموقعاً مهماً على البحر الأحمر، وقاعدة سكانية كبيرة، إضافة إلى ملايين السودانيين في الخارج الذين يمكن أن يشكلوا مصدراً لرأس المال والخبرة والتحويلات. ومع ذلك، ظل العائد الاقتصادي من هذه الموارد أقل بكثير من حجمها الحقيقي. لذلك فإن السؤال الاقتصادي في السودان ليس: ماذا نملك؟ بل لماذا لم نتمكن من تحويل ما نملكه إلى إنتاج وصادرات واستثمارات وفرص عمل؟

تجارب الأسواق الوليدة تؤكد أن الموارد وحدها لا تصنع اقتصاداً ناجحاً. المستثمر لا يكفيه أن يعرف أن هناك ذهباً أو أرضاً زراعية، بل يريد أن يعرف هل القوانين مستقرة؟ هل العقود تُحترم؟ هل يمكن تحويل الأرباح؟ هل البنوك تعمل بكفاءة؟ هل توجد كهرباء وطرق وموانئ؟ وهل يمكن اللجوء إلى قضاء تجاري فعال عند حدوث النزاعات؟

والحرب التي بدأت في أبريل 2023 أبعدت السودان أكثر عن هذه الشروط. فقد تضررت قطاعات الإنتاج، وتراجعت قدرة الدولة على جمع الإيرادات وتقديم الخدمات، وتعرض القطاع المصرفي والبنية الأساسية لضغوط كبيرة. وحتى مع بداية أي تعافٍ اقتصادي، يجب أن نفرق بين التعافي والنمو. عودة مصنع متوقف أو متجر مغلق إلى العمل تُعد تعافياً، لكنها لا تعني أن الاقتصاد أصبح أكثر إنتاجية أو أكثر قدرة على المنافسة.

ولهذا فإن التحدي الحقيقي بعد الحرب لن يكون فقط إعادة ما دمرته الحرب، وإنما إعادة بناء الاقتصاد بطريقة مختلفة. فليس المطلوب إعادة إنتاج النموذج القديم نفسه، بل بناء اقتصاد يعتمد أكثر على الإنتاج والتصدير والقيمة المضافة.

فالزراعة مثلاً لا ينبغي أن تتوقف عند تصدير المحاصيل الخام، بل يجب ربطها بالصناعات الغذائية والتخزين والتعبئة والنقل والتصدير. والثروة الحيوانية يجب أن تكون جزءاً من سلسلة قيمة تشمل المسالخ والجلود والتصنيع الغذائي والخدمات البيطرية. وحتى الذهب لا ينبغي أن يكون مجرد سلعة تخرج من البلاد، بل يمكن أن يصبح أساساً لصناعات وتكرير وتمويل وصادرات منظمة.

ومن أهم دروس الأسواق الوليدة أيضاً أن الحصول على التمويل الخارجي ليس نجاحاً في حد ذاته. يمكن للدولة أن تقترض مليارات الدولارات دون أن يتحسن الاقتصاد إذا ذهبت الأموال إلى الإنفاق غير المنتج. ويمكن للمبلغ نفسه أن يغير الاقتصاد إذا وُجه إلى الكهرباء والمياه والطرق والري والموانئ والاتصالات ومشروعات ترفع إنتاجية القطاع الخاص.

ولهذا فإن أهم مشروع اقتصادي بعد الحرب قد لا يكون مصنعاً أو طريقاً، بل إعادة بناء المؤسسات الاقتصادية نفسها: البنك المركزي، الجهاز المصرفي، الضرائب، الجمارك، تسجيل الأراضي، القضاء التجاري، الإحصاء، وأنظمة الدفع. هذه المؤسسات هي التي تصنع الثقة، والثقة هي أهم رأس مال تحتاجه الأسواق الوليدة.

ويجب أيضاً إعادة النظر في دور سوق الخرطوم للأوراق المالية. فالبورصة الحقيقية ليست مجرد مبنى أو شاشة تداول، بل منظومة تضم شركات شفافة، وقواعد إفصاح ومحاسبة، وحماية للمستثمرين، وصناديق استثمار، وأدوات تمويل طويلة الأجل. وإذا نجح السودان في بناء هذه المنظومة، فقد يكون السودانيون في الخارج أول المستثمرين قبل انتظار رأس المال الأجنبي.

كما أن التركيبة السكانية الشابة تمثل فرصة ومخاطرة في الوقت نفسه. الشباب يمكن أن يكون قوة إنتاج وسوقاً استهلاكية ضخمة إذا توافرت الوظائف والتعليم والاستثمار، لكنه قد يتحول إلى بطالة وجربمة وهجرة إذا فشل الاقتصاد في خلق الفرص.

السودان لا يحتاج إلى اكتشاف ثروة جديدة. معظم ما يحتاجه موجود بالفعل: الأرض، المياه، المعادن، الثروة الحيوانية، الموقع، والإنسان. ما ينقصه هو النظام الاقتصادي الذي يجعل هذه العناصر تعمل معاً.

ولهذا فإن مستقبل السودان لن يتحدد بحجم موارده، بل بجودة مؤسساته وسياساته. فإذا استطعنا بناء اقتصاد يجعل الاستثمار أكثر جاذبية من المضاربة، والإنتاج أكثر ربحية من الاستيراد، والعمل الرسمي أكثر سهولة من الاقتصاد الموازي، يمكن عندها أن ينتقل السودان فعلاً من اقتصاد يملك الإمكانات إلى سوق وليدة حقيقية قادرة على جذب رأس المال وخلق الوظائف وتحقيق النمو.

مقالات ذات صلة