*كتب: بكري خليفة*
كثيراً ما كان يسألني البعض عن صداقتك بعمر محجوب السيد (البطري)، فكنت أقول إن صلتي بالفقيد بدأت قبل عامين عندما كان رئيساً للجنة مسجد العقدة العتيق، وبدأت اللجنة عملية التوسعة للمسجد. فكان رأس الرمح في تسخير علاقاته لجمع الأموال، وكان يطلب مني عمل مناشدات لأبناء الحي في الداخل والخارج ونشرها في الصحيفة لإكمال التوسعة. ومن ثم لمست فيه رجلاً إدارياً طيباً هدفه إكمال توسعة المسجد وخدمة أهالي العقدة، إبان توليه لجنة الحي وحتى الآن من خلال المبادرات الخيرية لأبناء الحي.
عندما كنا نيأس من توقف العمل في التوسعة، كان هو من يبعث فينا الأمل بأن التوسعة والصيانة ستكتمل. وكان عندما يُنجَز شيء في المسجد يتصل بي فرحاً، كأنما أنجز شيئاً لنفسه أو لبيته. أتذكر فرحته بإكمال الطاقة الشمسية، وبعمل البوماستك والسقف المستعار. كان يتصل سعيداً ويقول: الحمد لله، تممنا الشغل وأكملنا كذا وكذا.
عندما غادرت كريمة في أواخر التسعينات إلى الخرطوم لم ألتقِ عمر، وكانت معرفتي به سطحية في ذلك الوقت بفعل فارق العمر. وبعد عودتنا بعد الحرب كانت المعرفة الحقيقية بإنسان عبارة عن شعلة من الخير تمشي على الأرض، كل ما يهمه خدمة الناس، ويفرح بمساعدة الآخرين. بالرغم من مرضه الأخير الذي أثر عليه كثيراً في صحته، وأصبح أسيراً لماكينة غسيل الكلى مرتين في الأسبوع، لم يتوقف عن خدمة الآخرين. في نفس يوم وفاته كنت شاهداً على سعيه لإدخال إحدى السيدات من العقدة تحت مظلة الزكاة بعد أخذ كل الأوراق المطلوبة لمندوب الزكاة بالحي صديقه أحمد عجيب. ولأسرة أولاد عجيب (أحمد ومصطفى والتيمان) معزة خاصة في قلب الراحل، فهم من أقرب الناس إلى قلبه. يستعين بالدكتور مصطفى في كافة استشاراته المرضية، ومع أحمد دوماً في موضوع الزكاة واحتياجات الحي. والتيمان كانوا هم من يوصلونه إلى السوق وإلى مركز غسل الكلى بالمستشفى، في أوقات أحياناً باكرة جداً مع موجة البرد الأخيرة، من غير تململ ولا كلل. شباب في قمة التهذيب والرقي، ونعم التربية التي غرسها فيهم والدهم الراحل، طيب الله ثراه وجعل الجنة مثواه. كان عمر يقول لي دائماً: أولاد عجيب ما بقدر أجازيهم. لذلك كان الحزن كبيراً جداً على الأشقاء الذين لم تفارق الدموع أعينهم منذ لحظة وفاته.
علاقات عمر محجوب السيد الاجتماعية متفرعة مع جميع الطبقات، يعرف كل التجار وعليه القوم، لكنه يعشق الفقراء والمساكين. يقول دائماً: ديل هم الذين يستحقوا المساعدة والسند. فكان دوماً يقدم المشورة والمساعدة لهم.
أبو المقداد، كما يحلو أن ينادي بذلك، فقد لشلة الرجل الطيب عوض المقبول الذي يحرص دائماً على الجلوس معه في الأمسيات، ويقول لي: (عوض ده محتاج لينا نتونس معاه لأنه ما بتحرك من البيت). فكان هو دينمو القعدة مع حسن أحمد سالم، وعمر إدريس، ووليد، وأشرف كردي، وكاروري، والطاهر، وحسن الكواعي، وعبد الكريم، وأحمد عثمان جميل. وبرحيله يفتقده مجلس عوض المقبول حيث الحديث في السياسة والثقافة والدين والفن والرياضة. كنت عندما ألتقي بعوض ويكون عمر البطري قد تغيب يوماً أو أكثر يقول لي عوض: (كلم صاحبك يجي يحكينا لينا أخبار الحرب والحاصل شنو في العالم).
فقده حسن محمد عبد الغني جاره الذي يجلس معه دائماً أمام الدكان ويتبادلان الحديث. فقده أبو عبيدة حسن وأولاده (عمرو ومحمد أحمد) الذين بكوه بشدة، والذين كذلك تجمعه معهم صداقة قوية جداً، فهم كذلك مع عمر في كل تفاصيله. فقده خالد حسن الذي لم تتوقف دموعه منذ إعلان وفاته في المستشفى حتى تشييعه. فقده مبارك محمد عبد الغني، وعثمان عثمان، وقاسم عثمان، ووهبة، رفقاء الإفطار الرمضاني في (البرش) كل يوم أمام منزله.
فقده جيرانه الذين كانوا في تواصل دائم معه: خالد محمد علي حبيب الله، وخالد مجذوب، وأسامة مجذوب، وأحمد بشير، وعلي الصيني، ونجم الدين كامل علي، وأولاد عبد الله ابن عوف، وفيصل علي عثمان، وصلاح مصطفى، ومحمد ومصدق مختار، وقرشي، وبندق، وبابكر عبد الحميد، وأحمد عبد الحميد (فرفور). فقدته أسرة المرحوم (حسبو) وصديقه أحمد حسبو، رفيقه في كل أعمال الخير. فقدته أسرة الحارث منصور (مبارك وأبو عبيدة وإخلاص التي غادرتنا للعلاج في القاهرة وهي تكتب غير مصدقة خبر وفاته). فقدته لجنة المسجد الجديدة بقيادة الأستاذ ومربي الأجيال الأستاذ أنور الكاروري الذي دائماً ما يتحدث بفخر عن إنجازات الراحل في المسجد ومتابعتهم معه في احتياجات المسجد وهو بعيد. فقده عبد الرحيم الفنجال الذي كان عندما يشتهي طعاماً يطلب من (التومة) أن تعمل له لنأتي ونأكل جميعاً في جلسة أسرية. فقدته نوال وعطيات علي الحسن، الذي كان يحرص على مناداتهما بخالاتي، وهو معهما تقريباً كل يوم، فلا يمر يوم إلا وكان متواجداً. التقيته هناك صباحاً في نفس يوم وفاته، كان يشكو قليلاً من ارتفاع الضغط، لكن بعد ذلك تحسن وذهب لمنزله، وكانت الأقدار تقول إنها الزيارة الأخيرة. فقده دكتور الطيب وعمر إدريس اللذان تصادف وجودهما في الحرم النبوي الشريف لحظة الوفاة، فكانت الدعوات للفقيد في الروضة الشريفة، نسأل الله أن يتقبل دعاءهم.
تجمع الفقيد عمر محجوب السيد صداقة قوية مع ابن العقدة المغترب الدكتور محمد حمد محمد أحمد، وهو من أهم الأشخاص الذين وقفوا ودعموا صيانة وتوسعة مسجد العقدة العتيق. أتذكر عندما كنت في المملكة العربية السعودية واتصالات محمد حمد معي لتوفير مبالغ مالية لاستكمال نواقص المسجد وشحنها. كان متابعاً لكل المشتريات المطلوبة، وظل متابعاً مع عمر في توفير المكيفات والطاقة الشمسية وبقية احتياجات التوسعة والصيانة. جهد جبار قام به، لا نريد أن نقصم ظهره، ولكن من لا يشكر الناس لا يشكر الله. رجل بمعنى الكلمة. كذلك كانت وقفته مع الفقيد إبان فترة علاجه من مرض الفشل الكلوي في مصر، فلم يتوقف عن دعمه وتسخير كافة علاقاته في القاهرة للفقيد، مع شباب العقدة في مصر وفي مقدمتهم عبد العظيم الطيب الذي رافقه طوال فترة علاجه. نسأل الله أن يجازيه خير الجزاء.
أخبرني الفقيد بأنه يريد أن يعمل وقفاً خيرياً في بيته، عبارة عن توفير للمعدات الطبية للمرضى، بداية من المراتب الطبية والكراسي المتحركة والعصيات الطبية، يتم توفيرها للمحتاجين، وبعد شفاء المصاب تُرجع مرة أخرى لتقدم لشخص محتاج. قال لي: أريد أن أسمي المركز الخيري باسم محمد حمد محمد أحمد، وأجعلها مفاجأة له لمجهوداته في عمل الخير. لكن يد المنون كانت أسرع. نتمنى من الله عز وجل أن يتحقق هذا الحلم قريباً وأن يرى المركز النور.
كان الفقيد دائماً من يبادر في المساعدات الإنسانية للمحتاجين في العقدة، وكانت من أنجح المبادرات، فالجميع يقدم المساعدة عندما يكون الفقيد على رأسها لمصداقيته وشفافيته، فكان الجميع يتسابق على المناشدات التي يطلقها، وفي مقدمتهم أسرته أسرة (لبيني)، تلك الأسرة العريقة والممتدة داخل وخارج السودان. ولا ننسى وقفة أولاد الأسرة في بورتسودان: أولاد فتح الرحمن محمد أحمد، وسعيد يوسف سعيد، وحمدي، وأولاد جعفر أبوبكر وبقية الأسرة، في المبادرات الخيرية ومبادرة إكمال توسعة مسجد العقدة التي كان الراحل على رأسها، والتي تمت بتوفيق الله وسعيه. فكانت التوسعة والفرش والإنارة. نسأل الله أن يجعلها في ميزان حسناته وأن تكون سبباً في دخوله الجنة بإذن الله.
كان الفقيد بالرغم من صداقاته المتعددة يقول لي بحزن: (مافي زول واقف في ضهري)، وكان دائماً ما يشتكي من ظلم (ولي القربى). كان قلقاً على مستقبل أطفاله الصغار المقداد وأحمد وسماح والصغيرة سما، لكنها أقدار الله أرادت لهم أن يكونوا أيتاماً في أعمارهم الصغيرة. وهم متعلقون جداً بأبيهم، ولم يعرفوا بعد معنى الموت. عندما كنت أزوره في البيت تجدهم الأربعة يحيطون بأبيهم، وتجلس سما الصغيرة عند رجليه، والبقية يتابعون معه ما يتصفحه على تلفونه، كأنهم يريدون أن يشبعوا منه. وكان قلبهم يقول لهم بأنه مفارقهم وسيغيب عنهم للأبد. مقداد الابن الأكبر صاحب الثلاثة عشر عاماً، أثناء تجهيز الجثمان، كان يقول: (أبوي ما مات، أبوي مشى لبكري خليفة وبجي راجع)، في كلمات حزينة ما تزال ترن في أذني. ربنا يتقبله قبولاً حسناً. لم تفتقده وحدك، بل فقدته العقدة وكريمة كلها.
كان للفقيد معزة خاصة لأقاربه من جهة أبيه: عبد العظيم وهيثم حسنو ومحمد ميرغني أولاد عبد الرافع ختم، وأولاد حسنو، وأولاد سيد أحمد حيدر السيد، والبقية لم تسعفني الذاكرة لمعرفة أسمائهم. هم رجال بمعنى الكلمة. عبد العظيم الذي كلما أزور عمر في المستشفى أو في المنزل أجده موجوداً، وهيثم حسنو الذي ذهب بسيارة ليقله من دنقلا عندما عاد من مصر مؤخراً بعد رحلة العلاج، وبقية أولاد عمومته في أمريكا الذين تكلفوا بدفع جزء كبير من علاجه في مصر.
أخيراً، الذين اختلفوا مع الفقيد وهم قلة على أصابع اليد الواحدة، الذين التقوا به في رمضان ولم يبادروا بالسلام والعفو وقول (رمضان كريم) في الأيام المباركات، بغض النظر عن نوع الخلافات فهي في النهاية خلافات دنيا زائلة. أقول لهم: ألم تؤنبكم ضمائركم في استمرار القطيعة والخلاف، والآن الفقيد بين يدي الله يشكو من ظلمه؟ فات الأوان لطلب السماح والعفو منه بعد رحيله. ترى هل تشفع لهم أن يأتوا أمام الناس للعزاء أو أن يحملوا (صينية) طعام أو (جك) عصير ليقنعوا أنفسهم أنهم قاموا بالواجب وأنت مقاطع ومخاصم الراحل؟ إنه النفاق الاجتماعي الذي تحدثنا عنه في مقالات سابقة أغضبت البعض، لكنها الحقيقة دائماً مؤلمة. نسأل الله لنا ولهم العافية. إن كان ضميركم قد صحا وأنبكم، فإن تأتوا متأخرين خير من أن لا تأتوا. فهؤلاء أطفاله الأيتام القصر، برّوهم، ففي برهم أفضل الصدقات للفقيد وأفضل الكفارة، كما قال الرسول الكريم: أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة.
الشيخ محمد مختار عدد في عصر الجمعة مناقب الراحل، بكى وأبكى كل من في المسجد، متناولاً حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة»، وهو الذي وقف على توسعة المسجد وصيانته، بالإضافة إلى خلوة النساء التي أقامها في فترة رئاسة لجنة المسجد مع الشيخات اللائي خرجن العشرات من الحافظات لكتاب الله عز وجل، سائلاً الله أن يتقبل عمله ويجعل الجنة مثواه.
كذلك نعاه إمام وخطيب الجمعة بالمسجد الشيخ عمر محمد علي موسى، داعياً الله أن يكرم نزله ويجعل الجنة مثواه بقدر ما قدم للمسجد ولأهل الحي.
شقيقا الراحل (عثمان) و(حمد) يتمتعان بحنية قلّما توجد عند أحد، بكيا الراحل بالدمع الثخين. التعازي لزوجته السيدة الفاضلة، ولشقيقاته، ولكل الأسرة.
كان وداعه أمس الجمعة في إفطار رمضاني حاشد لأهالي العقدة وضيوفهم، ضاقت به جنبات المسجد. تدافع فيه أهالي الحي بتوفير الإفطار الرمضاني للمعزين. نسأل الله أن يتقبل منهم رجالاً ونساءً.
رحم الله عمر محجوب السيد، الرجل الصالح الذي توفي في أيام مباركة من شهر رمضان، وفي ليلة الجمعة. نسأل الله له الرحمة والمغفرة، وأن يجعل الجنة مثواه.
إنا لله وإنا إليه راجعون




