*وخرج انقلاب مايو 1969 من رحم منصور خالد عبد الله علي إبراهيم*

قلت في مطلع هذه المقالات عن “من أين جاء هؤلاء الانقلاب؟” إني لا أعرف تكتيكاً سياسياً كمثل الانقلاب العسكري جهلنا أشراطه وبواعثه في حين أوردنا موارد التهلكة. ومن المؤسف أن يخيم علينا هذا الجهل وكان الحزب الشيوعي من روج لمفهوم للانقلاب من واقع الممارسة عبر صراعات في داخله قبل انقلاب 25 مايو 1969 وبعده. وأضربنا عنه على وجه الإطلاق. وقال فيه:
“التكتيك الانقلابي، بديلاً عن العمل الجماهيري، يمثل في نهاية الأمر وسط الجبهة الوطنية الديمقراطية مصالح طبقة البرجوازية والبرجوازية الصغيرة” (اللجنة المركزية مارس 1969)
ومغزى المفهوم أن الانقلاب عسكري هرولة بالجيش غير مأمونة العواقب. فالانقلاب ليس ضيقاً صراحاً بالديمقراطية الليبرالية فحسب، بل يستدعي للعملية السياسة قوى هي الجيش ليس هذا ميدانها.
وكنت ركزت أبحاثي عن المعنيين (الزهادة في الديمقراطية الليبرالية والانقلاب) في فكر الدكتور منصور خالد لأنه فانوس طبقة صغار البرجوازيين. واستوفينا في حلقة مضت كفر منصور بالديمقراطية الغربية مما جاء في كتابه “حوار مع الصفوة” وهي مقالات كتبها في أعقاب نكسة ثورة أكتوبر 1964 ونشرها لاحقاً في كتاب في 1979. وانتهى به كفره للقول بأن الديمقراطية الليبرالية (الغربية) مما لا تصلح لبلد كالسودان غلبت الأمية على 80% منه، “ويعيش ثلث أهله مع القردة والأفاعي في الغاب” وأنه “ما زال خاضعاً لكل قيم واخلاقيات المجتمعات البدوية”.
وتبقى لنا في هذا الدور أن نرى فقه منصور خالد في تزكية الجيش للحكم (حكم العسكريتاريا) في مثل بلدنا طالما لم تناسبه الديمقراطية الليبرالية. وجاء بهذا الفقه في:
1)كتابه “حوار مع الصفوة”، 2) محاضرات خلال زمالة له في جامعات أمريكية في نحو 1967 3) وفي محاضرة تالية لندوة الاشتراكيين العرب التي انعقدت بإشرافه في الخرطوم في 1970 وناقشه حولها كل من أستاذنا عبد الخالق محجوب ومحمد إبراهيم نقد حوله.
في كتابه “حوار مع الصفوة” قال منصور إن عقيدة الغرب في اعتزال الجيش السياسة مما لا يناسب أوضاعنا. فجيوش العالم الثالث معززة بعناصر تجعل لها اليد العليا فوق مؤسسات السياسة والدولة الأخرى. فهي منظمة، وتتحلى بالضبط والربط، ومتحدة. وهي حديثة بما تحمل من سلاح وما خضعت له من مهنية. وهي الميزات التي يعول عليها حين تنشأ الحاجة لتغيير جذري للنظام القديم في مجتمع متصف بالشقاق السياسي الغائر، وبالنزاعات القبلية والطائفية، وجمهرة محافظة.
علاوة على أن قيادة الجيش من الضباط هي بعض صفوة الأمة. فالجيش ليس منشأة معزولة نتداول فيها بغير اعتبار لأصلها الاجتماعي وتقاليد المجتمع الذي نشأت منه، والحقائق السياسية التي تجبهه. فكل محاولة لعزل الضباط من الانغماس في السياسة (إذا لم يكن عملياً فعلى مستوى التأمل والتفكير) مصطنعة. ورجع إلى تاريخ قديم من تدخل الجيش في السياسة في مثل ثورة عرابي ومصطفى كمال أتاتورك.
وقال فحتى في الغرب لن نسلم من الخطأ إن قلنا إن الجيش يعتزل السياسة. فالجيوش تتدخل من مأمنها المعتزل متى احدقت بالمجتمع محنة. فالجيش البريطاني ثار في 1914 خلال الحرب الإيرلندية كما تمرد جنرالات الجيش الفرنسي في الجزائر على ديقول في 1919. ورغب منصور أن ننظر في هذا الضوء إلى تدخل الجيش في السياسة في مصر وسوريا. ووجد العذر للرئيس بومدين لينقلب على الرئيس أحمد بن بلا لأن الجيش كان كياناً عضوياً في النظام الحزبي الجزائري. وكان ذلك تبرير بومدين نفسه حين اتهم عصبة عناصر لقيامها بدق إسفين بين الجيش والحزب. فالجيوش في قول منصور ليس بوسعها التقيد بقواعد الشرعية الكلاسيكية وتترك الثورة تتهافت.
وسوغ منصور لقيام الحزب الواحد الحاكم طالما رتب لحكم العسكريتاريا. فتعدد الأحزاب، في قول منصور، ليس عنوان الديمقراطية الوحيد. فبوسع الحزب الواحدة التعبير عن إرادة الأمة أيضاً. بل كان من رأيه أن الحزب الواحد هو الأقرب للديمقراطية لأن الأحزاب تمثل بالأساس مصالحها الطبقية والطائفية. ولذا كانت الديمقراطية مفهومياً جزءاً لا يتجزأ من الاشتراكية.
من جهة ثانية، ألقى منصور خالد خلال زمالة في جامعة كولورادوا محاضرتين واحدة في يونيو 1967 بجامعة كولورادو عن الثورة في أفريقيا وأخرى في يوليو 1967 في معهد ودرو ولسون بواشنطن دي سي عن الاشتراكية العربية راجع فيهما عقيدة الغرب في نزع السياسة من الجيش كما رأينا منه في كتابه.
وأعاد منصور، من جهة ثالثة، إذاعة فكرته عن حكم العسكريتاريا في ندوة الاشتراكيين العرب بالخرطوم في 1970 في ورقة عن دور الجيوش في الثورة العربية نشرتها جريدة الصحافة (23 مارس 1970). وتصدى للتعقيب عليه من الشيوعيين كل من عبد الخالق محجوب ومحمد إبراهيم نقد بمقالات بجريدة أخبار الأسبوع. وعرض منصور في المحاضرة، وقد صار أحد جيوش العرب على سدة حكم السودان، لعناصر مشروعه الصفوي بجلاء. فقد آخى بين صفوة الجيش والصفوة الملكية كشركاء أنداد في دولة حديثة كسبية استولت على قيادها صفوة تقليدية حظية أو إرثية بوسيط الديمقراطية الليبرالية المستجلبة. وأفرغت هذه الطبقة الوارثة الحقوق الديمقراطية الليبرالية، التي في أصل الدولة الحديثة، من مغزاها وجدواها. وزكى منصور للجيش أن ينقلب ثائراً على هذا الوضع الحداثي الشاذ: بلد تديره تقنياً الصفوة الحديثة (التكنوقراط) وتحكمه الصفوة التقليدية سياسياً. وعليه فقد جَوّز للجيش التنصل عن المفهوم الغربي الذي يمتنع فيه الجيش عن السياسة.
لربما “وقع” الآن للقارئ ربما من أي رحم خرج انقلاب 25 مايو 1969.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole