في دقريس وشالا لا توجد سجون بل مذابح بشرية مفتوحة على إتساع الخزي لا قانون لا قضاء لا إنسانية هناك فقط جلاد مسعور وسلاح يقرر من يعيش ومن يُسحق وهناك إنسان سوداني يُجر إلى العتمة كأنه لا يساوي شيئًا يُضرب حتى ينكسر يُجوع حتى ينهار يُهان حتى يفقد نفسه وهناك صراخ يملأ الجدران لكن لا أحد يسمعه لأن العالم قرر أن يطفئ ضميره بإرادته وأن يتحول إلى شاهد زور على جريمة مكتملة الأركان
العالم يعلم نعم يعلم أن المليشيا ومرتزقتها لا يعتقلون فقط بل يخطفون العسكريين والمدنيين النساء والشباب تم اسرهم من كل الولايات كأنهم غنائم حرب يتم ترحيلهم إلى نيالا إلى جحيم منظم بلا رقابة بلا قانون بلا حد أدنى من الرحمة يعلم أنهم يُكدسون في زنازين ضيقة بلا ماء بلا طعام بلا دواء يعلم أنهم يُعذبون بالسياط وبالإذلال اليومي حتى تتحطم أجسادهم وتنهار أرواحهم
ويعلم ما هو أفظع يعلم أن هؤلاء الجلادين لم يكتفوا بالتعذيب بل حولوا الإنسان إلى سلعة يتاجرون بدمه بأعضائه بألمه يعلم أن الأسير لم يعد أسيرًا بل صار مادة قابلة للبيع والتفكيك يعلم أن هناك أجسادًا تُنهب وأرواحًا تُذبح في صمت ومع ذلك يواصل هذا العالم القذر صمته وكأن المعرفة لا تعني شيئًا وكأن الدم لا يفرض موقفًا وكأن الإنسانية مجرد شعار للاستهلاك
أي نفاق هذا أي سقوط هذا أي قذارة أخلاقية تجعل دولًا تتغنى بحقوق الإنسان نهارًا وتدفنها ليلًا تحت أقدام مصالحها متى يتحرك هذا المجتمع الدولي الكاذب متى يتوقف عن خطبه الفارغة وبياناته الميتة متى يخرج من جبنه وتواطئه ويقول كلمة حق توقف هذا الجحيم متى يفهم أن كل دقيقة صمت هي طعنة جديدة في جسد إنسان بريء وأن كل تجاهل هو مشاركة مباشرة في الجريمة
متى تتحرك الدول التي تملك القوة متى تستخدم نفوذها لوقف هذه المليشيا بدل أن تراقب من بعيد كأن الدم عرض مسرحي متى تقرر أن حياة السوداني ليست أرخص من حساباتها السياسية متى تكف عن الكذب على نفسها وعلى العالم بأنها تدافع عن القيم وهي في الحقيقة تختار متى تكون إنسانية ومتى تكون بلا ضمير
إلى متى يظل الجلاد مطمئنًا لأن العالم لن يفعل شيئًا لأن أقصى ما سيواجهه هو بيان خجول لا يوقف سوطًا ولا يكسر قيدًا إلى متى تُترك هذه السجون تعمل كخط إنتاج للرعب بينما تُدار السياسة ببرود مخزٍ لا علاقة له بالعدالة ولا بالإنسان
الحقيقة التي يجب أن تُقال دون خوف أن ما يحدث في دقريس وشالا لم يعد مجرد جريمة مليشيا بل عار عالمي كامل الأركان عار نظام دولي يعرف ويسكت يرى ويتجاهل يملك القدرة ويختار العجز لأن الضحايا لا وزن لهم في ميزان المصالح
سيأتي يوم تُفتح فيه هذه الزنازين وستخرج القصص كالرصاص ستتكلم الأجساد المكسورة ستصرخ الأرواح التي لم تُسمع وسيُكتب بوضوح لا لبس فيه أن المليشيا عذبت واغتصبت وقتلت لكن سيُكتب أيضًا أن العالم كان يعلم وكان قادرًا وكان حاضرًا ثم اختار أن يكون شريكًا بالصمت
وحين يُسأل هذا العالم أين كنتم لن يجد ما يقوله لأن الحقيقة عارية كنتم هنا تعرفون كل شيء وترون كل شيء وتستطيعون أن توقفوا كل شيء لكنكم اخترتم أن لا تفعلوا اخترتم أن تتركوا الشعب السوداني يُذبح ببطء اخترتم أن تكونوا جزءًا من الجريمة لا مجرد متفرجين وهذا ما لن يغفره التاريخ ولا ستغسله السنوات لأن الدم حين يُترك بلا عدالة يتحول إلى لعنة تلاحق كل من صمت وكل من تواطأ وكل من باع إنسانيته بثمن رخيص




