تضع الانشقاقات المتتالية في صفوف قوات الدعم السريع الدولة السودانية أمام اختبار هو الأعقد منذ اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل. ومع كل انضمام جديد لمتصدرين للمشهد الميداني، تتصاعد في الأوساط السودانية تساؤلات مشروعة وقاسية، لعل أبرزها التساؤل الجوهري الذي يتردد اليوم بصوت عالٍ: “حضن من هذا الذي يفتح ذراعيه للمنشقين؟”. وهو سؤال يتجاوز العاطفة ليلامس جوهر العدالة والسيادة القانونية.
التكتيك العسكري وضغوط الميدان
من الناحية العسكرية الصرفة، يمثل انشقاق القادة ميدانياً نصراً استراتيجياً للقوات المسلحة؛ فهو يفكك مفاصل المليشيا، ويقلص أمد الحرب، ويوفر حقناً للدماء عبر إضعاف جبهة العدو. وبرغم كل الهواجس المشروعة، فإننا نبارك للمنشقين رجوعهم للصواب وتوبتهم عن المضي في طريق تدمير الدولة، فالرجوع إلى الحق فضيلة تُحسب لصاحبها وتخدم المصلحة الوطنية العليا في هذه المرحلة الحساسة.
بين التوبة السياسية والمسؤولية الجنائية
بيد أن ما يجب أن تدركه الدوائر السياسية والعسكرية هو الفرق الجوهري بين (التوبة السياسية) التي تعني العودة للوقوف تحت راية الدولة، وبين (المسؤولية الجنائية) التي لا تسقط بالتقادم أو بالمواقف المتغيرة. إن استيعاب المنشقين عسكرياً قد يكون ضرورة تكتيكية يفرضها واقع الميدان، لكن تحويل هذا الاستيعاب إلى “صك غفران” شامل هو الذي يثير مخاوف الرأي العام. فالمسألة ليست مجرد تغيير في الولاء، بل هي حقوق تاريخية وقانونية لضحايا في مناطق النزاع ينتظرون أن تكون (دولة الكرامة) هي الخصم والحكم في آن واحد، لا أن تتحول مأساتهم إلى “ثمن” يُدفع لتسريع وتيرة النصر.
”الحضن” كاستحقاق قانوني لا سياسي
يطرح الواقع الحالي تساؤلاً حول ماهية “الحضن” الذي يُستقبل فيه هؤلاء: هل هو (حضن القيادة) القائم على الترضيات والمواءمات اللحظية، أم هو (حضن الشعب) الذي دفع الثمن من دماء أبنائه وأعراض نسائه ومدخرات عمره؟
إن الارتماء في “حضن الشعب” لا يمكن أن يكون مجرد نتيجة تلقائية للانشقاق، بل هو مسار طويل يبدأ بالاعتراف ويمر عبر التسوية القانونية الشاملة. فالمجازر التي وقعت في قرى الجزيرة، وفي الجنينة، والفاشر، تبدو كجروح غائرة في الوجدان السوداني، لا يمكن مداواتها بـ “عفو إجرائي” يطوي النسيان جرائمها.
تحديات المواءمة وصمام الأمان
إننا إذ نُقدر للقيادة العسكرية والسياسية جهودها الحثيثة في إدارة هذا الملف المعقد، ونعلم علم اليقين مدى صعوبة الموازنة بين مقتضيات الضرورة العسكرية التي تفرضها الحرب وبين التطلعات الشعبية للعدالة، فإننا نرى أن المخرج الآمن لضمان استدامة النصر يكمن في ثلاثة محاور:
الفصل بين المسارات: يمكن استيعاب القوات المقاتلة كجزء من المجهود الحربي، لكن يجب أن يظل القادة المنشقون تحت طائلة التدقيق القانوني. فدولة المؤسسات تقوم على مبدأ أن “الحصانة لا تُمنح مقابل الموقف السياسي” مهما بلغت أهميته الميدانية.
الشفافية مع أسر الضحايا: على الدولة أن تخرج بأسس واضحة للتعامل مع المنشقين، تخبر فيها أسر الضحايا -بمن فيهم الذين فدوا الوطن بأرواحهم- بأن دماء أبنائهم ليست ورقة للمساومة، بل هي أمانة في عنق القضاء السوداني.
تفعيل العدالة الانتقالية: إن الحديث عن “سلام” أو “استقرار” يظل منقوصاً ما لم يرتكز على جبر الضرر. فالعدالة هي الضمان الوحيد لعدم إنتاج “نسخ جديدة” من التمرد تحت مسميات مختلفة في المستقبل.
اخيرا
إن “حضن الوطن” يجب أن يكون واسعاً بما يكفي لاستيعاب كل من آثر العودة لصف المؤسسية، ونحن إذ نرحب بهذه الخطوات الشجاعة من المنشقين ونراها عودة للحق، نؤكد أن التحدي الذي يواجه القيادة السودانية اليوم يكمن في كيفية “بناء الثقة” مع الشعب؛ وهي ثقة لن تكتمل إلا إذا شعر المواطن أن القانون فوق الرتب، وأن “الحضن” الحقيقي هو حضن العدالة التي لا تحابي أحداً.




