​*مطبات طريق العودة إلى “الحبة الكاملة”.. هل نصحو قبل فوات الأوان؟ ​بقلم: وداد الماحي*

​في زحام الحياة العصرية وتسارع خطانا نحو “السهل والمتاح”، كثيراً ما نغفل عن “مطبات” غذائية نضعها بأنفسنا في طريق صحتنا وصحة أجيالنا. ولعل أكبر هذه المطبات هو استسلامنا التام لسطوة “الدقيق الأبيض”؛ ذلك “السم الأبيض” الذي غزا موائدنا، فسرق منا بركة القمح وقوة الأجساد التي كان يتمتع بها أجدادنا.

​رحم الله الدكتور ضياء العوضي، الذي رحل عن دنيانا بعد أن أحدث “هزة” في الوعي الجمعي، وأثار جدلاً صحياً أعاد الأمم إلى رشدها القديم. لقد كان العوضي صوتاً جريئاً نادى بـ “نظام الطيبات”، مؤكداً أن العودة للفطرة ليست نكوصاً، بل هي استدراك لخطأ تاريخي ارتكبناه حين استبدلنا “الحبة الكاملة” بنشويات مكررة فاقدة للروح والقيمة الغذائية.

​لقد كانت أمهاتنا قديماً، وبحسهن الفطري، يحذرن من “العيش الفينو” والخبز الأبيض الناعم، وكان اعتمادهن الأساسي في مخبوزات البيت—من رغيف وفطير وقراصة—على القمح الكامل المطحون بنخالته وجنينه. كنّ يقدمن لنا “الصحة” في طبق، قبل أن تبتلعنا ثقافة الأغذية المصنعة التي جردت القمح من أغلى ما يملك: الألياف والمعادن والبروتينات الكامنة في قشرته.

​واليوم، لم يعد هذا الحديث مجرد نصائح منزلية، بل أصبح توجهاً استراتيجياً عالمياً. فالعالم الذي أنهكته فواتير علاج السكري والسمنة وأمراض الجهاز الهضمي، بدأ يدرك أن الحل يكمن في “السيادة الغذائية”. وها هي تونس تضرب المثل كأول دولة عربية تتخذ خطوات شجاعة في هذا المسار، عبر تقنين استخدام الدقيق الأبيض والتوجه نحو “الخبز الكامل” كخيار وطني وقومي.
​إن أهمية التوعية التي نادى بها المخلصون تتجاوز مجرد الحفاظ على الرشاقة، بل هي قضية كفاءة وطنية بامتياز؛ فالدقيق الأبيض المكرر يسبب خمولاً لحظياً وتذبذباً في مستويات الطاقة، مما يؤثر مباشرة على إنتاجية الفرد وقدرته على التركيز. ولعلّ ما لا يدركه الكثيرون أن سطوة هذا الدقيق تمتد إلى عقول أبنائنا؛ فهو يمنح طاقة كاذبة يتبعها شتات ذهني، بينما تضمن “الحبة الكاملة” تدفقاً مستمراً للطاقة يساعد على التركيز والتحصيل، مما يجعل إصلاح مائدتنا ضرورة ملحة لدعم مسيرة أبنائنا الأكاديمية والعملية.

​ومن منظور استراتيجي، فإن الدول التي تستمر في دعم الدقيق الأبيض هي في الحقيقة تدعم “مرض مواطنيها” وتدفع الثمن مرتين: مرة عند الاستيراد والدعم، ومرة عند علاج التداعيات الصحية المزمنة. إن العودة للحبة الكاملة هي معركة من أجل السيادة الغذائية؛ لنكسر قيود التبعية لمواصفات فرضتها المصانع الكبرى، ونعود إلى ما تجود به أرضنا وسواعدنا.
​تتجلى فوائد هذه العودة في نقاط جوهرية:
​وقائياً: هي حائط الصد الأول ضد “الأمراض الصامتة” التي تنهك المجتمعات وتستنزف مواردها.
​اقتصادياً: هي وسيلة لتقليل الهدر وحماية المورد البشري الذي هو أغلى ما تملك الأمم.
​تربوياً: هي إعادة بناء لثقافة الاستهلاك لدى أطفالنا، لنعلمهم أن القوة تكمن في “سمرة القمح” لا في “بياض الدقيق”.

​إن الطريق أمامنا لا يزال مليئاً بالمطبات، وسطوة الدقيق الأبيض لا تزال تمثل التحدي الأكبر في أسواقنا وبيوتنا. لذا، فإننا نتمنى من دولتنا أن تولي هذا الأمر فائق الاهتمام والرعاية، وأن تجد الأفران والمخابز التي تساهم في دعم المواطن بخبز “الحبة الكاملة” كل الدعم والتشجيع؛ لتتحول من مبادرات فردية إلى سياسة عامة تحمي أبداننا وتوفر ميزانياتنا.
​استرجاع قديمنا في الغذاء هو “استراتيجية بقاء”، ورغيف الخبز الذي نعجنه بأيدينا أو نشتريه من أفراننا مدعوماً بوعي الدولة، هو الاستثمار الأضمن لمستقبل خالٍ من الأوجاع ومفعم بالإنتاجية. هي دعوة لنأكل مما نزرع بكامل خيراته، لا بما يُبقي لنا منه الآخرون بعد أن ينزعوا عنه فوائده.

​اللهم بلغت.. اللهم فاشهد.

​حفظ الله بلادنا ومنحنا الوعي لنختار ما ينفعنا.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole