إن دعوة البرهان لإطلاق حوار سياسي يشمل كل القوى السياسية لا يمكن فصلها عن السياق الذي جاءت فيه، فهي ليست سوى محاولة جديدة لإعادة تسويق مشروعه السلطوي ومنحه شرعية سياسية يفتقدها، عبر إنتاج واجهات وحوارات شكلية لا تمس جوهر الأزمة، أكثر من كونها مبادرة صادقة لإنهاء الحرب أو بناء توافق وطني حقيقي. فالحوار الجاد لا يُبنى على إرادة طرف يسعى إلى تثبيت سلطته، وإنما على أسس متفق عليها تضمن انتقالاً سياسياً حقيقياً وشاملاً.
لقد سبق للبرهان أن حاول تسويق ترتيبات سياسية مختلفة، كان آخرها تعديل الوثيقة الدستورية بما منحه سلطات استثنائية واسعة، ثم تعيين حكومة برئاسة كامل إدريس وتقديمها للعالم باعتبارها خطوة نحو الحكم المدني والتحول الديمقراطي، أملاً في كسب تأييد المجتمع الدولي ومنح سلطته قدراً من الشرعية السياسية. غير أن هذه المحاولات جاءت مفتعلة ومكشوفة إلى حد بعيد، وتحولت إلى مشهد سياسي بائس وهزيل يفتقر إلى المصداقية والوزن، وأقرب إلى محاولة يائسة لصناعة شرعية على الورق منها إلى عملية سياسية حقيقية،فلم تنجح في إقناع الداخل ولا الخارج، وانتهت إلى صورة باهتة ومحرجة كشفت حدود القدرة على إعادة تدوير السلطة تحت عناوين جديدة لا تغيّر من واقعها شيئاً.
والسؤال الجوهري هنا: ماذا يريد البرهان من هذا الحوار؟
تبدو الإجابة واضحة من خلال مسار الإجراءات التي اتخذها خلال الفترة الماضية،فالحوار المقترح لا يُراد له أن يكون وسيلة للتوافق الوطني بقدر ما يُراد له أن يكون الحلقة الأخيرة في استكمال بناء مشروع سلطوي متدرج،مشروع بدأ بإعادة هندسة مراكز القوة داخل السلطة، ثم توسيع صلاحيات رأس الدولة عبر التعديلات الدستورية الأخيرة، قبل أن ينتقل إلى مرحلة البحث عن غطاء سياسي يمنح هذه الترتيبات صفة الشرعية الوطنية.
ويبدو أن الهدف النهائي لهذا المسار هو الانتقال من صيغة الحكم الحالية إلى وضع سياسي جديد يتركز فيه القرار بصورة أكبر في يد البرهان، بما يسمح له بالتخلص تدريجياً من الشراكة العسكرية التي فرضتها ظروف المرحلة، والتحول إلى رأس سلطة منفرد يتمتع بصلاحيات واسعة تحت أي مسمى دستوري أو سياسي قد تخرج به توصيات الحوار،كما أن التعديلات التي سبقت تعيين كامل إدريس رئيساً للوزراء يمكن قراءتها في هذا السياق باعتبارها خطوات تأسيسية لإعادة تشكيل بنية السلطة بطريقة تمنح رأس الدولة السيطرة الفعلية على المشهد السياسي والتنفيذي.
ولا يقتصر الأمر على الداخل فقط، بل يبدو أن البرهان يسعى أيضاً إلى استخدام هذا الحوار بوصفه منصة للحصول على اعتراف ودعم إقليمي ودولي لترتيباته الجديدة، عبر تقديم نفسه باعتباره الشريك الممكن والجهة الوحيدة القادرة على التفاهم مع المجتمعين الإقليمي والدولي،ويقوم هذا الطرح على فرضية قديمة مفادها أن الاستقرار ينبغي أن يُقدَّم على التحول المدني والديمقراطي، وأن وجود سلطة مركزية قوية هو الضامن الوحيد لمنع الانهيار والفوضى. ومن خلال هذه المقاربة يسعى البرهان إلى تسويق نفسه بوصفه رجل المرحلة القادر على توفير الحد الأدنى من الاستقرار، أملاً في أن يتحول ذلك إلى مدخل لاكتساب شرعية سياسية خارجية تؤهله للانتقال من موقع القائد العسكري إلى موقع رئيس الجمهورية بصلاحيات واسعة، تحظى بقبول إقليمي ودولي باعتبارها أمراً واقعاً ينبغي التعامل معه أكثر من كونها نتاجاً لتوافق وطني أو مسار ديمقراطي حقيقي.
وهي في جوهرها المقاربة ذاتها التي اعتمدتها أنظمة سلطوية عديدة، تقوم على معادلة مفادها أن البديل عن الحاكم القوي هو الفوضى، وأن الاستقرار أهم من الديمقراطية، وأن المجتمع الدولي ينبغي أن يتعامل مع الأمر الواقع لا مع استحقاقات التحول السياسي. غير أن التجارب أثبتت مراراً أن الاستقرار الذي يُبنى على احتكار السلطة وإقصاء التوافق الوطني لا يصنع سلاماً دائماً، بل يؤجل الأزمات ويعيد إنتاجها في صور أكثر تعقيداً.
ومن هذا المنطلق تبدو الدعوة الحالية امتداداً للمسار ذاته، ومحاولة لحشد جماعات موالية في الداخل بالمال والنفوذ لمواجهة الترتيبات الدولية والإقليمية الجارية، وعلى رأسها العملية السياسية التي تقودها الآلية الخماسية، والتي حظيت بتوافق واسع من القوى السياسية والمدنية السودانية،وقد جرى تحديد ملامح هذا المسار وأهدافه بوضوح في وثيقة برلين، باعتباره الإطار الأكثر جدية وقبولاً لإنهاء الحرب وإطلاق عملية سياسية شاملة تؤسس لسلام مستدام وتحول ديمقراطي حقيقي.
لذلك فإن أي حوار جاد ومنتج لا يمكن أن يكون حواراً أحادياً تديره السلطة القائمة أو تُفرض مخرجاته مسبقاً، وإنما هو الحوار الذي يستند إلى التوافق الوطني الواسع والرعاية الدولية والإقليمية المتفق عليها، ويخاطب قضايا الحرب والسلام والانتقال المدني بصورة شاملة. أما المبادرات التي تُطرح بهدف الالتفاف على هذا المسار أو خلق بدائل موازية له، فلن تكون سوى محاولة أخرى لإطالة أمد الأزمة وإعادة إنتاج الواقع السياسي الذي أوصل السودان إلى هذه المر من الانقسام والحرب والانهيار
وحصيلة البرهان في الحكم وحدها كافية لطرح الأسئلة الصعبة،فقد أمضى سبع سنوات في السلطة، قضى نصفها الأول في شراكة كاملة مع حميدتي داخل مركز القرار، منح خلالها الدعم السريع نفوذاً واسعاً وأدواراً عسكرية وسياسية غير مسبوقة،أما النصف الثاني فكانت نتيجته حرباً مدمرة تجاوزت ثلاث سنوات، وأكثر من 12 مليون نازح داخل البلاد، ونحو 4 ملايين لاجئ في دول الجوار، وما يقارب 29 مليون مواطن يحتاجون إلى المساعدات الإنسانية ويواجهون شبح الجوع، في واحدة من أسوأ المآسي الإنسانية في العالم.
وبعد هذه الحصيلة الكارثية، يبقى السؤال: ماذا يريد البرهان بعد ذلك؟ وكيف يمكنه أن يسوق نفسه بوصفه رجل الاستقرار والحل، بينما ارتبطت سنوات حكمه بأكبر كارثة سياسية وإنسانية شهدها السودان في تاريخه الحديث




