حين تصدر وزارة سيادية بياناً صحفياً لتوضح أنها نجحت في إيصال الكهرباء إلى خمسة عشر مستشفى وعشر محطات مياه، فإن هذا في ذاته اعتراف ضمني بأن ما كان يفترض أن يكون بديهياً ومستمراً قد صار إنجازاً استثنائياً يستحق التوثيق والإعلان. البيان الذي أصدرته وزارة الطاقة عن خروج محطة كهرباء سد مروي عن الخدمة إثر حريق، وما تلاه من محاولات لترقيع الشبكة القومية عبر تغذيات بديلة، يحمل في طياته دلالات اقتصادية أعمق بكثير من ظاهره الفني.
الحقيقة الأولى التي يكشفها هذا البيان هي هشاشة البنية التحتية الكهربائية التي أصبحت تعمل بمنطق الاستجابة للطوارئ لا بمنطق التخطيط والاستدامة. فمحطة سد مروي ليست منشأة هامشية، بل هي العمود الفقري لتوليد الكهرباء في السودان، وخروجها عن الخدمة بحادث حريق واحد كفيل بأن يعيد ترتيب أولويات التغذية على مستوى العاصمة بأكملها، بحيث تتحول المستشفيات ومحطات المياه إلى فئة “الأولوية القصوى” بينما تظل أحياء سكنية بأكملها رهينة لجداول تقنين غير معلنة. هذا النمط من الإدارة، وإن كان مبرراً في اللحظة الطارئة، يعكس غياب أنظمة احتياطية موازية كان يفترض أن تحول دون هذا الانكشاف الكامل عند تعطل محطة واحدة.
الجانب الأكثر إثارة للقلق من منظور اقتصادي وتمويلي هو الإشارة إلى أن قطع الغيار المتأثرة بالحريق “متوقع وصولها من الخارج خلال ثلاثة أيام”. هذه العبارة القصيرة تختزل أزمة أكبر بكثير من عطل فني عابر؛ إذ إن أي استيراد لقطع غيار حساسة ومتخصصة في القطاع الكهربائي يستلزم تحويلات مالية خارجية، وفتح اعتمادات مستندية أو ترتيبات دفع عبر مراسلين بنكيين، وهي عملية باتت شديدة التعقيد في ظل العقوبات الأمريكية المفروضة على السودان منذ يوليو الماضي وتداعياتها على قنوات التحويل والمقاصة الدولية. فحين يتحدث بيان رسمي عن توقع وصول قطع غيار “بإذن الله” دون تحديد آلية التمويل أو الجهة المصدرة، فإن ذلك يعكس مستوى من عدم اليقين لا يليق بمرفق استراتيجي بهذا الحجم، ويضع علامة استفهام حول قدرة الجهات التنفيذية على تأمين هذه المدخلات في المستقبل إذا ما تكرر العطل أو تعقدت مسارات التحويل المالي أكثر.
ثم هناك البعد الاجتماعي والاقتصادي المباشر لتقنين الكهرباء الممتد، والذي لم يعد مجرد إزعاج معيشي بل تحول إلى عبء تشغيلي على المنشآت الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد على التيار في تشغيل مولداتها البديلة، بتكلفة وقود متصاعدة تنعكس مباشرة على هوامش الربح وأسعار السلع والخدمات. القطاع المصرفي نفسه، بما يحمله من اعتماد متزايد على الأنظمة الإلكترونية في المعاملات والتحويلات، يجد نفسه رهينة لاستقرار التيار الكهربائي بقدر رهانه على استقرار الأنظمة المالية، وأي انقطاع ممتد يعني تعطلاً فعلياً في دورة الخدمات المصرفية اليومية التي بات المواطن يعتمد عليها بشكل متزايد بعد تراجع التعامل النقدي المباشر.
الدعوة المتكررة من الوزارة لترشيد الاستهلاك، رغم مشروعيتها في اللحظة الآنية، لا يمكن أن تكون بديلاً عن معالجة هيكلية تشمل تنويع مصادر التوليد وتحديث الشبكة القومية وبناء مخزون استراتيجي من قطع الغيار الحساسة داخل البلاد بدل انتظار وصولها من الخارج في كل أزمة. فالكهرباء في السودان اليوم ليست فقط قضية خدمية، بل صارت مرآة تعكس مدى قدرة الدولة على إدارة مواردها في ظل قيود مالية وسياسية متشابكة، وما لم تتحول لحظات الطوارئ هذه إلى محطات لإعادة بناء القدرة الذاتية، فستظل البلاد تراوح بين حريق وآخر، وبين بيان صحفي وآخر يعلن عودة جزئية للتيار باعتبارها إنجازاً.


