*عند الله .. وليس عند الكيزان كتبت الأستاذة/سلوى سيدأحمد محمد صالح*

نشرت المحامية حنان حسن في صفحتها بالفيسبوك صورة لها وهي تضع يدها على جدار الكعبة المشرفة. صورة عادية جداً لمسلمة تزور بيت الله، وكان يفترض أن تمر كما تمر صور آلاف السودانيين الذين يؤدون العمرة كل عام. لكن هذا المشهد البسيط كان كافياً لإخراج أسوأ ما في نفوس البعض من أدعياء التدين، وكشف العورات النفسية والأخلاقية للكيزان ومن سار على دربهم في احتكار الدين والتجارة به.

أزعجتهم الصورة لأنها اصطدمت بالسردية التي ظلوا يرددونها لسنوات طويلة، وهي أن خصومهم السياسيين خصوم للدين بالضرورة وأن من يعاديهم يعادي الدين، أو كما قال اسحاق أحمد فضل الله على شاشة تلفزيون السودان القومي: أنا أعتبر كل محايد وكل معارض للإخوان المسلمين إسلامه ناقص.

أخذ أحدهم صورة الأستاذة حنان ونشرها في صفحته بالفيسبوك وكتب معلقاً بوقاحة تتنكر لأبسط آداب الدعاء: اللهم فبحلمك الذي سمح لـ (حنان أم نخرة) التي تحارب دينك أن تطأ أشرف البقاع، أرزقني زيارة بيتك بحج أو عمرة.
هذا الكوز المهووس وهو في مقام الدعاء والتضرع الذي يتطلب الانكسار والأدب لا يتورع عن ذكر عيوب الآخرين الخلقية والتنمر عليها بوصفها “أم نخرة”، متناسياً في غمرة حقده أنه بذلك يعيب صنعة الخالق عز وجل ويسخر من خلقة الله التي أبدعها.

ولم تقف السفاهة والتفاهة عند هذا الحد، بل تابعه آخر كتب عن حنان حسن قائلاً: هذه العلمانية الكافرة المعاندة لو ماتت داخل مكة فهي كافرة ويجب أن تستتاب وإلا وجب قتلها لأنها طعنت في دين الإسلام.

وسأل ثالث إن كان من الممكن استتابة حنان في محكمة شرعية في السعودية، فرد عليه رابع بأنه يجب فتح بلاغ ضدها لأنها مرتدة وأظهرت الكفر علانية. أما أحدهم فذهب أبعد من ذلك ودعا عليها قائلاً: اللهم توفها على سوء الخاتمة ولا تهدها إلى طريق الحق. لم يسأل الله لها الهداية بل طلب من الله ألا يهديها.

في هذه العقلية المريضة تتجلى المشكلة التي ظلت تسمم الحياة السياسية في السودان منذ عقود. فالكيزان لا يكتفون بمخاصمة خصومهم سياسياً، بل يلبسون الخصومة ثوب الدين. ويصبح المختلف معهم علمانياً، والعلماني عندهم ملحد، والملحد كافر، والكافر مرتد، ثم يبدأ الحديث بعد ذلك عن الاستتابة والقتل، ويتحول الحديث عن فعل وتنفيذ.

بهذا المفهوم قتلوا الشباب العزل في مجزرة الاعتصام وألقوهم في النيل.. وبه قتلوا المتظاهرين الأبرياء في سبتمبر 2013م، وهكذا تتحول السياسة عندهم إلى محاكمات يقرروا فيها من هو المسلم ومن هو الكافر، ومن يستحق الهداية ومن يستحق سوء الخاتمة.

إن ما يزعج الكيزان حقاً، ويطير النوم من أعينهم بسبب عمرة الأستاذة حنان، ليس خوفهم على الدين كما يدعون، بل لأن هذه العمرة قد هدمت منطقهم السقيم القديم وأسقطت ورقة التوت التي كانوا يغطون بها عورتهم السياسية. لقد هزمت هذه الصورة منطقهم العاجز الذي ظلوا يقتاتون عليه لعقود وهو تشويه الخصوم ووصمهم بالكفر والعداء للإسلام.

نعم .. وجود حنان أمام الكعبة تربك هذه المعادلة البسيطة. فإذا كانت هذه (العلمانية الكافرة المحاربة لدين الله) كما يصفونها، تقصد بيت الله معتمرة، فكيف ستستقيم الحكاية؟

ولهذا لم يناقشوا أفكارها ولم يردوا على مواقفها ولم يقدموا دليلاً واحداً على خروجها من الإسلام. بل ذهبوا مباشرة إلى تكفيرها واستتابتها والدعاء لها بسوء الخاتمة.

وهو بالمناسبة، نفس المنطق العاجز والمتهالك الذي حاربوا به د. عبد الله حمدوك، حين جندوا سفهاءهم من جوقة الهتيفة والمطبلين لوصفه بأنه سكير وعربيد وملحد وعدو لله ورسوله، وأصيبوا بالعمى فلم يلتفتوا إلى العمرة التي أداها عندما كان رئيساً للوزراء، لأن رؤية تلك العمرة تفسد عليهم بضاعتهم الكاسدة.

وهو نفس المنطق البائس الذي شوهوا به شباب وشابات الثورة الأنقياء في اعتصام القيادة العامة، عندما أطلقوا آلتهم الإعلامية القذرة ووصفوهم بـ (المثليين والملاحدة وشاربي الخمور)، ولم يبصروا أن هؤلاء الملاحدة قد أقاموا في ميدان الاعتصام وتحت شمس الخرطوم الحارقة أكبر صلاة جمعة في تاريخ السودان الحديث.

التكفير عندهم أسهل من الحوار.. والحديث الذي يبدأ بـ (فلان علماني) وينتهي بـ (مرتد يجب قتله) ليس مزاحاً سياسياً ولا كلمات تكتب في مواقع التواصل. وإنما هي لغة تمنح العنف غطاءً دينياً، وتحول الخلاف السياسي إلى خصومة عقدية، وقد دفع الشعب السوداني عبر تاريخه ثمناً باهظاً لهذه التجارة بالدين.

وما لا يدركه سفهاء قريش هو أن حنان حسن قد وضعت على جدار الكعبة المشرفة يدها البيضاء من دماء السودانيين. يكفيها أنها لم تسرق المال العام، ولم تكن يوماً بوقاً يدعو للقتل، ولم تتلطخ يداها بدم إنسان بريء، ولم تفتح بيوت الأشباح لتعتقل وتعذب المعارضين وتغتصب الرجال والنساء كما فعلوا هم طيلة ثلاثين عاماً باسم الدين.

هذه حنان .. من يملك عليها جريمة أو فساداً فليقدمها للقضاء، أما إسلامها وعلاقتها بالله فلا تخص أحداً غيرها، والدين لا يحتاج إلى حزب يدعي الوصاية عليه، والله سبحانه وتعالى لم يمنح أحداً توكيلاً لتوزيع صكوك الإيمان والكفر على السودانيين.

سيظل الدين الإسلامي الحنيف أكبر وأعظم من أن يحتكره تنظيم سياسي غارق في الفساد والدم، وستظل الكعبة المشرفة تستقبل عباد الله من كل فج عميق، لا يمنعهم عنها صكوك غفران يوزعها كوز حاقد، أو دعوة فاجرة تخرج من قلب أظلمته خطايا ثلاثين عاماً من النفاق.

قال الله تعالى: (إِن أَكرمكم عند اللَّه أتقاكم)
لاحظوا قال: (عند الله) ولم يقل: (عند الكيزان )

مقالات ذات صلة