في هذا البلد، لا يبدو النجاح مهمة شاقة فحسب، بل جريمة تستوجب المحاكمة عند بعض الناس. فكلما ارتفع بناء، ارتفعت معه أصوات المشككين، وكلما لمع اسم بالعمل، خرج من يحاول إطفاءه بالشائعات.
وسط هذه القاعدة السودانية المؤسفة، يبرز اسم القاضي الشاب مولانا وائل عابدين، رئيس محكمة كريمة، بوصفه نموذجاً لمسؤول اختار أن يتحدث بلغة الإنجاز لا بلغة التصريحات.
محكمة كريمة التي انتظرها المواطنون سنوات طويلة، لم تعد مجرد حلم مؤجل. فقد أصبحت مشروعاً قائماً أوشك على الاكتمال، بعد أن نجح الرجل، رغم الحرب وشح الموارد وقلة التمويل، في توفير الإمكانات اللازمة لتشييدها وفق أحدث المواصفات، لتكون صرحاً يليق برسالة العدالة وهيبتها.
ولم يقف الأمر عند مبنى المحكمة، بل امتد إلى إنشاء مساكن حديثة للقضاة، توفر لهم الاستقرار، وتخفف عن خزينة الدولة أعباء الإيجارات، إلى جانب استراحة أصبحت متنفساً لكل المسؤولين وزوار المدينة، في وقت تعاني فيه كريمة من نقص واضح في مرافق الضيافة المؤهلة.
هذه ليست وعوداً انتخابية، ولا لافتات إعلامية، وإنما منشآت قائمة يراها كل من يزور المدينة.
أما على مستوى العدالة، فقد شهدت كريمة ومحلية مروي تراجعاً ملحوظاً في معدلات الجريمة، بعد تطبيق القانون بحزم على الجميع دون محاباة أو وساطة أو استثناء. فحين يشعر المجرم أن القانون لا يساوم، يعيد حساباته قبل أن يمد يده إلى الجريمة.
لكن النجاح في السودان له ضريبة، وضريبته هنا كانت الشائعات.
قالوا إنه يمتلك قصراً، بينما الحقيقة أنه منزل حكومي شُيّد ليكون سكناً للقضاة. وقالوا إنه يمتلك سيارة فارهة، بينما هي سيارة المحكمة الرسمية. وقالوا إنه ركّب كاميرات مراقبة، وكأن الرقابة الإدارية أصبحت تهمة، أو أن الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة صارت جريمة تستحق الإدانة.
لم تجمعني بمولانا وائل عابدين معرفة شخصية، ولم أجلس معه يوماً، ولذلك لا أكتب مجاملة لأحد، وإنما أكتب احتراماً لثقافة الاعتراف بالإنجاز. فمن الظلم أن نصمت عندما نرى عملاً يستحق الإشادة، ثم نفتح المنابر فقط للنقد والتجريح.
الذين يصنعون الإنجازات يجب أن يجدوا كلمة إنصاف، تماماً كما يجد المقصرون النقد والمساءلة. فميزان العدالة لا يختل إذا أثنينا على المجتهد، بل يختل حين نتجاهل نجاحه لأن آخرين لا يعجبهم أن يروا أحداً ينجح.
امضِ يا مولانا وائل في طريقك، ودع المباني التي شيدتها، والعدالة التي سعيت إلى ترسيخها، تتحدث عنك. أما الشائعات، فهي كالدخان؛ تملأ السماء لحظات، ثم تتبدد، بينما يبقى الحجر في مكانه شاهداً على من وضعه.
قاسم مختلف
ليس كل من يضيء شمعة ينتظر التصفيق، لكن المؤسف أن هناك من يغضبه الضوء أكثر مما يزعجه الظلام. هؤلاء لا يحاربون الفشل، بل يحاربون الناجحين، لأن نجاح الآخرين يذكرهم بما عجزوا هم عن تحقيقه.
نعم. إذا كنت تقصد اليوم الذي تنشر فيه المقال وفق تاريخ المحادثة، فيمكنك كتابة:
الجمعة 7 أغسطس 2026م


