في لحظة الحقيقة، حين دوّت أول طلقة، انهار كل ما بنته قوى الحرية والتغيير من شعارات وادعاءات، وتبخر خطابها الثوري المزيف، فهرب قادتها عبر أول الطائرات المغادرة، تاركين الشعب الذي زعموا تمثيله يواجه الموت وحده. هذا الهروب لم يكن مجرد فعل جبان عابر، بل كان كشفًا صادمًا لطبيعة تكوينهم السياسي والأخلاقي: انتهازية محضة، وانعدام كامل للضمير، وتعلق مرضي بالسلطة دون أي استعداد للتضحية.
عادوا اليوم بنفس البرود الذي غادروا به، يتحدثون عن الثورة وكأنهم لم يبيعوا دماءها في أول سوق مفتوح، وكأنهم لم يتقاسموا السلطة مع البرهان، ولم يشرعنوا بقاء حميدتي، ولم يفتحوا الأبواب للفوضى التي التهمت الوطن. يتباكون على الوطن، بينما الوطن يعرف جيدًا أن خيانته الأولى بدأت من مكاتبهم وصفقاتهم ومطامعهم.
ما معنى أن يدّعي شخص الثورة وهو أول الهاربين من جحيمها؟ ما معنى أن يتحدث عن الحرية والعدالة وهو أول من خان المبدأ حين تعارض مع مصالحه الشخصية؟ إن قحت لم تكن يومًا مشروع وطن، بل كانت مشروع أفراد، يبحثون عن المناصب والامتيازات، لا عن مستقبل الشعب. وما هروبهم من المعركة إلا الدليل الأكبر على أنهم لم يحملوا همّ السودان يومًا، بل حملوا همّ جيوبهم وأحلامهم الصغيرة بالسلطة.
اليوم، يحاولون أن يصنعوا من أنفسهم ضحايا مستهدفين، يروّجون لفكرة أنهم مطاردون من المليشيا أو من البرهان، لكن الحقيقة أن من يهرب من أول طلقة لا يحتاج إلى عدو ليطارده، فهو مطارد من خيانته، من جبنه، من ذاكرة الناس التي تعرف أن هؤلاء هم الذين جلسوا مع البرهان وتقاسموا السلطة، وهم الذين منحوا الشرعية للدم المسفوك، ثم باعوا الثورة في أسواق التسويات.
العار ليس في الهروب وحده، بل في العودة بوجوه باردة، وكأن شيئًا لم يكن. العار في الحديث عن الشهداء ببرود، والاستخفاف بدماء مهند وإخوانه، العار في السخرية من صورهم، بدلًا من الانحناء إجلالًا لأرواحهم الطاهرة. أي قلب يملك هؤلاء حين يضحكون على شهيد ترك أمًا تبكي ليلًا ونهارًا؟ أي ضمير بقي لهم حين يسخرون من حصن المسلم الذي سقط من جيب شهيد؟ الجهلاء منهم زعموا أنه جواز دبلوماسي، بينما الحقيقة أن الشهيد الذي يموت في الميدان لا يحتاج إلى جواز، بل إلى وطن يحفظ ذكراه. ولو كان يملك جوازًا دبلوماسيًا لهرب مثلهم، ولجلس في مقاهٍ رخيصة يبيع الكلام مقابل دولارات ملوثة بدماء الوطن.
إن قحت هي الخيانة مكتوبة بأحرف السياسة. هي الثورة حين تتحول إلى سلعة، هي الضمير حين يُستبدل بالمنصب، هي الهروب حين يقترب الموت. لا فرق عندهم بين شهداء وأسرى، بين أم فقدت ابنها أو أب دفن فلذة كبده، فهم لا يعرفون سوى السخرية والتشفي والاستهزاء. ولهذا، فإن صمتهم أجدى من حديثهم، فالكلمات عندهم تحولت إلى سموم، وأي خطاب يصدر عنهم صار مجرد نفاق مفضوح.
قحت اليوم تقف عارية أمام الشعب: لا غطاء ثوري، ولا مصداقية، ولا تاريخ يمكن أن يحميها من سؤال بسيط: أين كنتم حين احترق الوطن؟ الجواب حاضر في ذاكرة كل سوداني: كانوا على أول طائرة مغادرة، وكانوا على أول طاولة مفاوضات لتقاسم السلطة، وكانوا أول من تخلى عن الثورة التي يتاجرون باسمها الآن.
التاريخ لا يرحم، والدماء لا تُمحى بالسخرية أو الادعاء، والارض التي سال فيها الدم ستظل وقودًا يحرق وجوه كل من خان، وكل من هرب، وكل من استهتر بدم شهيد. قحت لن تصنع مجدًا من الرماد، ولن تكتب مستقبلًا من الخيانة، لأن الشعوب لا تنسى، والذاكرة الوطنية لا تسامح، والوطن سيظل يلعنهم جيلًا بعد جيل.