الخطاب الذي ألقاه السيد إسماعيل الأزهري رئيس مجلس الوزراء بمناسبة إعلان إستقلال السودان من داخل البرلمان ورفع علم الاستقلال بالقصر الجمهوري في صبيحة الأول من يناير 1956 (1/1/1956) :
“اللهم ياذا الجلال يامالك الملك ياواهب العزة و الاستقلال نحمدك ونشكرك ونستهديك ونطلب عفوك وغفرانك ونسال رشدك ان انت الموفق المعين
ليس اسعد في تاريخ السودان وشعبه من اليوم الذي تتم فيه حريته ويستكمل فيه استقلاله و تتهيأ له جميع مقومات الدولة ذات السيادة ففي هذه اللحظة الساعة التاسعة تماماً من اليوم الموافق أول يناير 1956م ، 18 جمادى الثاني سنة 1275هـ نعلن مولد جمهورية السودان الأولى الديمقراطية المستقلة ويرتفع علمها المثلث الألوان ليخفق على رقعته وليكون رمزاً لسيادته وعزته .
إذا انتهى بهذا اليوم واجبنا في كفاحنا التحريري فقد بدأ واجبنا في حماية الاستقلال وصيانة الحرية وبناء نهضتنا الشاملة التي تستهدف خير الأمة ورفعة شأنها ولا سبيل إلى ذلك الا بنسيان الماضي وطرح المخاوف وعدم الثقة وأن نُقبل على هذا الواجب الجسيم أخوة متعاونين وبنياناً مرصوصاً يشد بعضه بعضاً ، وأن نواجه المستقبل كأبناء أمة واحده متماسكة قوية .
ولا يسعنا في هذه المناسبة إلا أن نمجد هذا الشعب الأبي على حيويته وإيمانه وجهاده الذي أثمر أطيب الثمرات . وأرى واجباً علي في هذه اللحظة التاريخية أن أزجي الشكر إلى جمهورية مصر وحكومة المملكة المتحدة اللتين أوفتا بعهدهما وقامتا باللتزماتهما التي قطعتها على نفسيهما في اتفاقية فبراير 1953م ، وهما اليوم في هدوء وبنفس راضية تطويان علميهما اللذين ارتفعا فوق أرض هذا الوطن ستةٌ وخمسين عاماً ليرتفع في مكانيهما عالياً خفاقاً علم السودان الحر المستقل .
ويهمني أن أسجل شكر السودانيين للهند والباكستان اللتين شاركتا في جهود لجنة الحاكم العام . كما أسجل شكري للجنة السودنة وللدول السبع التي قبلت بمساندتنا ورضيت الاشتراك في اللجنة الدولية التي كان مقرراً أن تشرف على إجراءات تقرير المصير ، ولا أنسى أن أسجل شكري للدول التي سارعت بإرسال ممثلين لها في السودان وحتى قبل إتمام الاستقلال ، ويشرفنا أن يكون ممثلوها من ضباط الاتصال السابقين بيننا الآن .
إن شعبنا قد صمم على نيل الاستقلال فناله وهو مصمم على صيانته وسيصونه . ومادامت إرادة الشعب هي دستورنا فستمضي في طريق العزة والمجد والله هادينا وراعينا ومؤيدنا وناصرنا وإن ينصركم الله فلا غالب لكم والسلام .
اسماعيل الازهري رئيس الوزراء .”
يصادف اليوم الاحتفال باستقلال السودان من داخل البرلمان ،، واليوم تاتى المناسبة وانشطر جزء من البلاد باتفاقية سلام تبارى وتسارع الطرفان فى تحقيقه بارادة شعبية حرة .
ونحن نرسم وطن جديد يكسوه الأمل المتجدد ليكون عاليا بين الأمم لابد من اخذ العبرة والعظة لمن أناروا لنا الدرب لنسير فيه وذلك لان قصة الاستقلال وتحقيقه جديرة بالدراسة و التامل في كل كلمة نطق بها رجال السودان المختلفين في توجهاتهم الحزبية الا انهم متحدين من اجل السودان و السودانيين..
ودعونا نتأمل ونتفكر في وقائع تلك الجلسة التاريخية التي اعلن فيها استقلال السودان .
كانت تلك الجلسة تحمل الرقم 43 في الدورة الثالثة لاول برلمان سوداني وكانت في يوم الاثنين 19 ديسمبر 1955 وبدات الجلسة بتقديم بعد الاقتراحات وتمت اجازتها ولكن اهم الاقتراحات هو الذي تقدم به النائب (عبد الرحمن محمد ابراهيم دبكة) ناب دائرة نيالا غرب وقد شمل اقتراحة الاتي:
“سيدي الرئيس ارجو ان اقترح ان يقدم الى معالي الحاكم العام الاتي : نحن اعضاء مجلس النواب في البرلمان مجتمعا نعلن باسم شعب السودان ان السودان قد اصبح دولة مستقلة كاملة السيادة ونرجو من معاليكم ان تطلبوا من دولتي الحكم الثنائي الاعتراف بهذا الاعلان فورا وان اعلان الاستقلال من هذا المجلس طبيعي ومشروع وواجب وطني مقدس بعد ان دخلت البلاد في الطور النهائي من مرحلة الانتقال واننا اذ نسجل للحكومتين المصرية و البريطانية تقديرنا لوفائهما بالتزاماتهما في اتفاقية السودان المبرمة بينهما في عام 1953 نامل جادين ان تسرعا بالاستجابة لهذا النداء الصادر من برلمان الشعب السوداني وتعترفا باستقلالنا الشامل وسيادتنا التامة اننا نريد لبلادنا استقلالا كاملا نظيفا ليس فيه لاي دولة في العالم نفوذ تخل بكيانه او تدخل يقلل من حقنا في التصرف في امورنا وفق مصلحة السودان اننا نريد لبلادنا في عهد الاستقلال حكما ديمقراطيا صالحا يضمن لجميع السودانيين من غير تمييز او محاباة عدالة اجتماعية وتكافؤ في الفرص يريد الشعب السوداني حكما نزيها يطمس مفاسد الماضي البغيض ويعمل على بناء امة موحدة يسودها الاطمئنان ويعمها الرخاء حتى تنعم بثمارها وكفاحها الطويل” ..
وبعد ذلك قام السيد (مشاور جمعة سهل ) نائب دائرة دار حامد شمال كردفان بتثنية الاقتراح المقدم .. وتحدث بعد ذلك السيد (محمد احمد المحجوب) زعيم المعارضة قائلا (لوكانت مقاعد مجلس النواب موضوعة على الشكل الذي يسمح لنا ان نجلس اليوم في صف واحد حتى تختفي الحدود و التقاسيم الحزبية لما ترددنا في ذلك لحظة واحدة وارجو ياسيدي الرئيس ان تسمح لي ان يعلن هذا المجلس اليوم على العالم اجمع ان السودان قد اصبح دولة مستقلة ذات سيادة كاملة) .
ثم تحدث السيد (مبارك زروق ) زعيم الكتلة البرلمانية قائلاً : يجب ان تقوم دعائم السودان ومنذ اليوم على اسس من الديمقراطية و العدالة وان نواجه مشاكل المستقبل كرجال وان نعرف كيف نزن ونقدر الامور فبناء الامم ليس بالامر الهين ، فبانكار الذات وسلامة القصد وصدق العزم ونفاذ البصيرة و التعاون نستطيع ان نعوض مافاتنا حين كانت مقاليد الامور يصرفها الاجنبي . ان عملنا يجب ان يكون لمصلحة الشعب اولا واخيرا وان تحل ارادته المحل الاول وان يكون همنا العمل على اسعاده ورفع مستواه ومحو الاثار التي خلفها في نفسه وجسمه ومجتمعه الاستعمار وان نعيد له الثقة بنفسه وان نهيئ له الظروف التي يتنفس بها الحرية وتتفتح فيها ابواب الفرص امامه وان نعطيه الحريات التي يتمتع بها الاحرار في كل مكان ..
ثم كان الحديث القوي الواضح للسيد الزعيم اسماعيل الازهري فقد قال قولته المشهورة التي كانت مفاجأة لكل العالم وخاصة دولتي الحكم الثنائي وحتى المعارضة السودانية بقيادة محمد احمد المحجوب حيث قال الزعيم:
(اليوم نعلنها داوية ومن داخل هذا البرلمان ان السودان حرا مستقلا بكل حدوده الجغرافية)
وصفق الحضور طويلا وتعانق نواب الشعب وانهالت التهاني في منظر وطني خالص وخرجت جموع الشعب السوداني فرحة في يوم خالد من ايام التاريخ السوداني معبرة عن الفرحة الكبرى باستقلال بلادها .