*رموز مضيئة من مركز شباب ام درمان (٢٦) بقلم : محمود الشين*

محجوب سراج الذي تحدثنا عنه، يصغر عبدالرحمن الريح ب(١٨) عاماً وهما أبناء منطقة واحدة هو حي العرب. ولو أن الأخير خلد ذكري هذا الجزء من ام درمان “حي الموردة” حيث نمضي في طريقنا إلي مركز شباب ام درمان. وصديقنا الجبلابي يقول إن فعاليات منتدي الشاعر حسن الزبير قد بدأت بالفعل.

عبدالرحمن الريح شاعر مخضرم من مواليد مدينة ام درمان
في العام ١٩٢٠م ، وهو آخر عقد في جيد حقيبة الفن .. له مفردة رشيقة تزداد ألقاً وجمالاً علي مر السنين.

وهو بعد صاحب الشوارد الناضرات في تاريخ الغناء السوداني : (الزمان زمانك) ، (عشقت شادن ) ، (يا جميل يا مدلل) ، (عيون المها) ، (إنصاف) وغيرها من الأغاني المسافرة بالدهشة.

لعبدالرحمن طريقته الخاصة للتحليق في عوالم الروح.. إذ يسترجع مآلات النهايات الحتمية وهو يقول فيما يشبه رثاء الذات :

ما فضل شئ خلاف الروح.

يا إلهي.. ويوغل بعيداً :

من ثري الأشباح
لى سما الأرواح.

ويمضي كما النسمة في أسحار جماله ليرسم المشهد الرائع :

انت أبهج نور من بدور الكمال
سابحة فيك آيات من معاني الجمال

وليس هذا فحسب. وإنما يقول الريح :

تجعل الفنان عبقري الخيال
لو نظم اشعار
او عزف اوتار
تندهش أفكار
والعقول تحتار
يا جميل يا ما في الجمال أسحار.

وتغني له الفنان الكبير حسن عطيه (يحيا الحب) :

يحيا الحب دام صفانا
عاش النيل .. الروانا
الله بالحب إبتلانا
ربي تبارك هوانا
كل واشٍ وشانا
بيهو يزداد هوانا.

ففي هذه الأغنية سدر الشاعر عبدالرحمن الريح كعادته في عالم الروح الذي يلازمه في معظم أعماله الخالدة وهو يضيف :

دام حبي عذري
مليٌ الكون صوتو يدوي
التاريخ ليهو يروي
تفنى الروح يبقى ذكري.
،،،

من يطالع النصوص النابضة بالحب والحيوية للشاعر الكبير عبدالرحمن الريح – يحبس أنفاسه في حقل الرومانسية المثالية. إذ يحكي الرجل في رأئعته (الملهمة) – جانباً من معاناة الإنتظار الطويل للذي يأتي ولا يأتي:

أنا في إنتظارك لم أزل
يا ملهمة شعر الغزل
عيوني يا أخت الزهر
في حبك أعياها السهر.

يبدو أن تلك الملهمة جعلت عبدالرحمن الريح (حيران في الحب). وهو نص حدد فيه وبدقة مزايا ومواصفات الحبيبة الغائبة :

أصبحت حائر بين أثنين
بين أخضر ساحر العينين
وبين أسمر خاطف لونين.

ومع ذلك ، فإن سيف التقاليد في ذلك الوقت – يقف حجر عثرة في طريق التلاقي بين المحبين – فكانت (الحرموني منك) :

يا الحرموني منك
أنا يا حبيب قلبي
سائل دوام عنك

ويستعيد عبدالرحمن المشهد المقيم :

يا الحرموني شوفتك
أنا في قلبي صورتك
كل ما ذكرو سيرتك
تزداد بي شجوني.

يا الله.. وهكذا يكون العلاج بالحرمان وصفة قاسية ، فالملهمة السعيدة بالقلب الكبير ، ليس لها مثيلاً :

ما رأيت في الكون
يا حبيبي
أجمل منك
في دلالك وتيهك
وفي جهالة سنك

ويضيف مزيج من سحر :

من كمالك وظرفك
ومن جمالك أظنك
يا حبيبي
نساء الكون ما ولدنك.

ويعود مجدداً يستجدي ويسأل في آنٍ واحد :

راجي عطفك ولطفك
راجي حلمك وحنك
ديمه يا مريود
تجدني سائل عنك
يا حبيب الأنفس
ما بتوب من حبك.

إن الملهمة تظل لوحدها سيدة الساحة وإن بقيت وراء حجاب ، فهي (فريدة عصرها وزمانها) :

يا الفريد في عصرك
والزمان زمانك
أهدي لي من فضلك
نظرة في رمانك.

لا أحد في تلك الفترة بأم درمان القديمة التي تكبلها التقاليد – يأمن قرارات المجتمعات وسطوة العائلات القابضة على القيم :

يا الفريد في عصرك
قلبي فاقد أمانك
حرام عليك تهجرني
ترضى بي حرمانك
بي الكمال شرفت
موطن أمدرمانك
وبي الجمال إمتزت
على شباب زمانك

وتمضي محطات الرائع عبدالرحمن الريح ومناجاته البريئة :

يا الحنين في نفسك
قل لي وينه حنانك
شلت قلبي
خضبت بيه بنانك
النجوم تتغزل
في بياض أسنانك.

الرحمة والمغفرة للراقي عبدالرحمن الريح ، وهو شاعر مظلوم ، فقد عاش فقيراً عفيفاً ومات كذلك ، وترك من خلفه هذا الإرث الجميل.

مقالات ذات صلة