ليس جديداً على السودانيين أن تُدار ملفاتهم المصيرية خارج حدودهم، ولا أن تُنتزع حقوقهم تحت لافتات الجوار والمصالح المشتركة. فمنذ اتفاقية تقسيم مياه النيل، والسودان يدفع ثمناً باهظاً، إذ يفقد سنوياً ما يقارب 19 مليار متر مكعب من حصته المائية دون مقابل عادل أو مساءلة تاريخية.
لكن المأساة لم تقف عند الماء. وادي حلفا غُرق بالكامل، ومعه حضارة ضاربة في عمق أكثر من خمسة آلاف عام، وشُرّد أهلها بلا إنصاف. وفي الشرق، ما زالت مناطق سودانية خالصة مثل حلايب وشلاتين وأبورماد خارج السيادة الوطنية، وسط محاولات ممنهجة لفرض واقع جديد وتغيير الهوية.
اقتصادياً، لا يكاد مورد سوداني ينجو من الاستنزاف؛ الثروة الحيوانية، الزراعة، الغابات، وحتى الذهب، في ظل دولة ضعيفة أو مُضعَفة، وعجز مزمن عن حماية مقدرات البلاد. أما سياسياً، فمنذ خروج الاستعمار البريطاني، لم يكن كثير من الانقلابات العسكرية التي حكمت السودان بمعزل عن دعم خارجي، وفّرت له الحماية مقابل تسليم القرار الوطني «تسليم مفتاح».
المحصلة أن السودان لم يُعامل كشريك، بل كمخزون موارد وحديقة خلفية، تُستغل عند الحاجة وتُترك لأزماته عند الشدائد. والكارثة الحقيقية ليست في الأطماع الخارجية وحدها، بل في قابلية الداخل للتفريط، وفي صمتٍ طال أكثر مما ينبغي.
فالأوطان لا تُنهب فجأة، بل تُستنزف ببطء… حين يغيب الوعي، وتُعطَّل الإرادة، ويُختصر الوطن في صفقات.




