*أسامه عبد الماجد يكتب:* *البرهان.. قتل الوقت*

0 أستغرب غياب الحماسة لدى رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان ورئيس الوزراء كامل إدريس.. لإعادة السودان إلى الاتحاد الإفريقي، رغم أن هذه مسألة استراتيجية بامتياز.. كان من المفترض أن تتصدر جدول أعمال الرئاسة والجهاز التنفيذي.. بدلاً من إهدار الوقت في لقاءات باهتة لا طائل منها، كاستقبال أحمد المهدي.. أو زيارات يعقبها سيل من التوجيهات التي لا تجد طريقها إلى أرض الواقع.
0 هذا الواقع رسخ الاعتقاد بأن الاتحاد الإفريقي يستهدف السودان.. وربما تستثمر الحكومة هذا التصور بتسويق فكرة وجود “عدو خارجي” يتربص بالبلاد.. علماً بأن الاتحاد الإفريقي لم يجمد عضوية السودان وحده، بل هناك دولاً في القائمة السوداء.. مثل بوركينا فاسو، النيجر، مالي، غينيا كوناكري، مدغشقر، وغينيا بيساو.. وقد يجادل البعض بأن السودان سعى للعودة إلى الحضن الإفريقي، مستدلين باستقبال البرهان لوفد الاتحاد في بورتسودان.
0 غير أن الحقيقة أن عضوية السودان جمدت في أكتوبر 2021 عقب إجراءات البرهان وإقصاء (قحت) – الله لا عادها بكافة مسمياتها والمليشيا- ، واشترط الاتحاد حينها تشكيل حكومة مدنية وتنفيذ ترتيبات انتقالية واضحة .. وبصراحة لم تتحرك الحكومة فعلياً لتحقيق ذلك.. وحتى قبل اندلاع الحرب، كانت الدولة ترتهن لرأي الباغي الشقي الجاهل حميدتي.
0 ثم بعد أن استفاقت متأخرة استجابت فقط للشرط الأول.. لكن بعد أكثر من ثلاث سنوات ونصف، بتعيين كامل إدريس رئيساً للوزراء في مايو 2025.. وقد رحبت مفوضية الاتحاد الإفريقي بهذه الخطوة، واعتبر رئيسها محمود علي يوسف أن تعيين إدريس يمثل خطوة نحو حكم شامل.. معرباً عن أمله في أن يسهم في استعادة النظام الدستوري والحكم الديمقراطي في السودان.
0 وهنا تكمن عقدة الأزمة.. الشرط الثاني للاتحاد الإفريقي والمتمثل في تنفيذ ترتيبات انتقالية حقيقية.. ولفائدة القارئ الكريم المقصود الإحصاء السكاني، هيئة لصياغة الدستور، محكمة دستورية مكتملة، ولجنة انتخابات مستقلة.. هذا الشرط لا يبدو أنه يحظى بأي اهتمام جاد من الحكومة .. بل إنها غير راغبة فيه، وكأنها أصيبت بعدوى حميدتي..  “الحكم أوانطة” .. وهكذا يستمر التسويف والمناورة والوقت يضيع، بينما يدفع الشعب الثمن.
0 ولكي لا يزايد علينا أحد، فهناك تجارب إفريقية جديرة بالتأمل، وعلى رأسها حالة الغابون.. فقد جمد الاتحاد الإفريقي عضويتها في أغسطس 2023 بعد انقلاب الجنرال أوليغي أنغيما على نظام الرئيس بونغو، عقب انتخابات رفضتها المعارضة. نصب أوليغي نفسه رئيساً للمجلس العسكري الانتقالي، ورغم ذلك استعادت الغابون عضويتها الكاملة في أبريل 2025.. ورغم الفارق الكبير بين ما جرى في الخرطوم وليبرفيل – حيث إن المؤسسة العسكرية في السودان شريك دستوري في الحكم، بنص الدستور بينما كان ما حدث في الغابون انقلاباً عسكرياً كاملاً.
0 أعلن مجلس السلم والأمن أن الغابون أظهرت مسؤولية في إدارة المرحلة الانتقالية، وأوفت بخارطة الطريق المتفق عليها.. لكن ماذا فعلت خلال نحو 20 شهراً من تجميد عضويتها الى عودتها ؟.. قامت السلطات الغابونية بتعديلات دستورية.. واجرت استفتاء شعبياً، وصولاً إلى انتخابات رئاسية في أبريل 2025 فاز بها أوليغي نفسه.. رغم أن لوائح الاتحاد تحظر مشاركة قادة الانقلابات في الانتخابات.
0 وتسير غينيا على النهج ذاته إذ جمدت عضويتها منذ انقلاب 2021 بقيادة قائد القوات الخاصة مامادي.. لكنه شرعن وضعه داخلياً، ونظم انتخابات فاز بها اواخر الشهر الماضي.. واحتفل الاسبوع المنصرم بفوزه بحضور رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، ما يشير بوضوح إلى رضا الاتحاد، وتمهيد لرفع العقوبات.
0 في المقابل تواصل الحكومة السودانية منح الآخرين فرصاً للتدخل والتشويش.. كما يحدث حالياً مع الصمت المريب تجاه الترويج المصري للرباعية التي تضم الإمارات.. والمفارقة أن الاتحاد الإفريقي سبق أن جمد عضوية مصر عقب عزل الرئيس الراحل محمد مرسي في يوليو 2013، ولم تستعيد عضويتها إلا بعد تنظيم السيسي لانتخابات رئاسية فاز بها.
0 خلال عام التجميد تحركت الدبلوماسية المصرية بقوة، وجعلت العودة إلى الاتحاد قضية استراتيجية.. شاركت فيها كل مؤسسات الدولة، بما في ذلك الإعلام.. أما في السودان فالصورة مغايرة تماماً حيث ترك سفيرنا الهمام في أديس أبابا الزين إبراهيم.. يقاتل وحده بلا غطاء رئاسي أو تنفيذي، بينما يواصل كامل إدريس تأكيد فشله يوماً بعد يوم، دون أن يتحرك مستشاروه نحو أي تغيير حقيقي.
0 ان الأزمة السودانية في جوهرها داخلية.. فالجميع، بمن فيهم الرئيس ينتظر حلول الأزمات بمرور الوقت.. وكأن الفرج سيهبط من السماء.. او يتكئ على ما اشيع بشأن نبؤه والده او جده – لا أدري – ولكن دون شك هناك جهات ومجموعات تضلله.. اما كامل إدريس مغيب وتائه والسبب في ذلك مستشاريه.
0 ومهما يكن من أمر.. لا يدرك الرئيس او كامل أن قتل الوقت بهذة الصورة بات مغرياً للغاية لإحداث تغيير جذري.

الجمعة 23 يناير 2026
osaamaaa440@gmail.com

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole