لطالما أبهرني الجنوب أفريقيون البيض الذين امتلكوا الرؤية والشجاعة للوقوف ضد نظام الفصل العنصري والنضال من أجل مجتمع لا عنصري. وعلى وجه الخصوص، المحامون العظماء والقادة التقدميون من البيض، مثل برام فيشر، وجورج بيزوس، ونيكولاس “فينك” هايسوم.
كان فينك إنسانًا حقيقيًا ووحدويًا أفريقيًا ملتزمًا وقف بثبات ضد نظام الفصل العنصري. ومن بين صفاته العديدة دعك عن المناصب التي شغلها، بما فيها كونه مستشارًا للرئيس نيلسون مانديلا، ومساهمته في العديد من عمليات السلام مثل عملية السلام في نيفاشا وعملية تاميل تايغر في سيرلانكا، فقد ركّز على قضايا الإصلاح والحكم الديمقراطي والمصالحة وقضايا العدالة. وقد حظي باحترام الأطراف من الجانبين في التفاوض، رغم تناقض مواقفهم بشكل حاد. وباعتباره شخصًا ناضل مع القواعد الشعبية الجماهيرية ، بما في ذلك نضاله في سبعينيات القرن الماضي ضمن الحركة الطلابية في جنوب أفريقيا خلال ذروة النضال ضد الفصل العنصري، فقد تعلّم دروسًا عظيمة في الوقوف إلى جانب العدالة والفقراء والفئات المهمشة، ما منحه منظورًا إنسانيًا واسعًا ظهر لاحقًا بوضوح في مشاركته في عمليات السلام. وكان له دور أساسي في صياغة الوثائق الرئيسية لعملية السلام في نيفاشا، حيث سعى لفهم ومعالجة جذور المشكلة بدل الاكتفاء بملامسة سطح القضايا وظواهرها الشكلية.
لقد حظيت بشرف معرفة فينك عن قرب خلال عملية السلام في نيفاشا. فقد أمضى العديد من الأمسيات مع وفد الحركة الشعبية لتحرير السودان، محاولًا فهم القضايا المطروحة ومشاركًا خبراته في جنوب أفريقيا وغيرها، كما أن خلفيته والتزامه خلال النضال ضد الفصل العنصري منحاه الثقة اللازمة من وفد الحركة الشعبية. وقد نجح في بناء علاقات إنسانية دافئة مع وفدنا ومع كل فرد منا. وخلال عملية السلام في نيفاشا، ولاحقًا في الخرطوم أثناء تنفيذ اتفاقية السلام الشامل، وكذلك في أديس أبابا عندما كنت رئيسًا لوفد الحركة الشعبية مع حكومة السودان انذاك، أتيحت لي فرص كبيرة للنقاش والتواصل معه، خاصة وأنني كنت مهتمًا دائمًا بحركة مناهضة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. وقبل عام، عندما التقيت به، حاولت أن أفهم منه التحديات التي تواجه التحالف التاريخي للقوى التقدمية في جنوب أفريقيا التي هزمت نظام الفصل العنصري، وخطر تفككه، خصوصًا العلاقة بين المؤتمر الوطني الأفريقي، والحزب الشيوعي، واتحاد نقابات عمال جنوب أفريقيا (COSATU)، وتأثير ذلك على جنوب أفريقيا وعلى أفريقيا عمومًا.
كان لفينك هايسوم تفاعل كبير مع الحركة الشعبية لتحرير السودان عندما كانت تنادي بسودان موحد. وفي منصبه كممثل للأمين العام للأمم المتحدة في دولة جنوب السودان، كان بإمكانه أن يقدّم إسهامًا بالغ القيمة للسودانين وللحركة الشعبية لو أُتيحت له الفرصة لتدوين تأملاته حول تجربته خلال انخراطه المهم في السودان وجنوب السودان. سيُفتقد نيكولاس “فينك” هايسوم من قبل الكثيرين الذين عرفوه وعرفوا خصاله المهنية ونضاله من أجل الحرية. وأتقدم بخالص التعازي إلى عائلته وأصدقائه ورفاقه.
19 مارس 2026




