*في قراءة منصور خالد عبر عبدالله علي ابراهيم: هل خرج انقلاب مايو من رحم منصور خالد؟ (٢) د. ناهد محمد الحسن*

ليس هذا المقال دفاعًا عن منصور خالد بقدر ما هو دفاع عن حق التاريخ في ألا يُختزل، وحق الوقائع في ألا تُساق إلى محكمة أيديولوجية تُدين رجلًا واحدًا بجريرة أزمة وطن كامل. وليس هو، في المقابل، انتقاصًا من مقام البروفيسور عبد الله علي إبراهيم، ولا من مشروعه النقدي الكبير في تفكيك أوهام الصفوة السودانية، ومساءلة نزعاتها الانقلابية، وفضح تعاليها على المجتمع الذي زعمت تمثيله. غير أن احترام هذا المشروع لا يوجب التسليم بكل نتائجه، خاصة حين يميل بعضها إلى ردّ ظاهرة سياسية مركبة—مثل انقلاب 25 مايو 1969—إلى “رحم فكري” واحد، وكأن التاريخ يُصنع من مقالة، كتاب، أو من نزعة فردية معزولة عن بنية السياسة والمجتمع والدولة.

المشكلة، في تقديري، تبدأ من هنا: من تحويل العلاقة بين الفكر والحدث إلى علاقة سببية بسيطة. نعم، للأفكار أثر. نعم، للكلمات قدرة على التبرير والتشجيع وفتح الخيال السياسي على إمكانات خطرة. لكن الانقلاب لا يقع لأن مفكرًا نقد الديمقراطية الليبرالية، لكنه من الممكن ان يقع لأن بنية سياسية بكاملها تجعل الجيش قابلًا للاستدعاء، والمدنيين مستعدين لاستخدامه، كما تجعل الدولة نفسها مفتوحة على هذا النوع من “الحسم” كلما انسدت مخارج السياسة. وما لم نرَ هذا كله، فإننا لن نفهم مايو؛ وسنكتفي فقط بإدانة اسم.

أول ما ينبغي قوله، وبوضوح، إن ثقافة الانقلاب في السودان لا تبدأ بمنصور خالد، ولا حتى بمايو 1969. لقد سبقت الرجل، وسبقت جيله، وسبقت تنظيراته كلها. فالمؤرخ وليم بيريدج، في دراسته عن انتفاضتي 1964 و1985، ينقل ما استقر عليه معظم المؤرخين من أن استيلاء الجيش على السلطة في نوفمبر 1958 جرى بتواطؤ مع رئيس الوزراء عبد الله خليل. والعبارة التي يوردها شديدة الدلالة: المؤرخون مالوا إلى قبول أن الاستيلاء العسكري تم “with the collusion of … Abdallah Khalil”؛ أي إن الرحم الأول للانقلاب السوداني كان حزبيًا وطائفيًا، لا صفويًا حداثيًا بالمعنى الذي يُراد إلصاقه لاحقًا بمنصور خالد. فإذا كان “الإقطاع السياسي”، أو التقليد الحزبي الطائفي، قد استدعى الجيش مبكرًا لحسم صراع مدني على السلطة، فكيف يصح بعد ذلك أن يُقدَّم الانقلاب كاختراع صفوي حديث، أو كجريمة نظرية ارتكبها مفكر بعينه؟

هنا بالضبط يكتسب تحليل الدكتور حسن الحاج علي أحمد أهميته الخاصة. فالرجل لا يتعامل مع الانقلاب بوصفه حادثة عسكرية تنفصل عن السياسة المدنية، حيث شرحه كاستمرار للعملية السياسية بوسائل أخرى. وهذه ليست عبارة إنشائية، بقدر ماهي مفتاح تفسير بالغ القوة: فحين يتسيّس المجتمع كله، بنقاباته ، اتحاداته، مدارسه، مؤسساته الدينية، وحتى المؤسسة العسكرية نفسها، بحيث تصير جميعها امتدادات للصراع السياسي، فإن الجيش لا يعود “خارج السياسة”، وإنما أحد ساحاتها. عندئذٍ يصبح الانقلاب أحد أشكال السياسة، حين تفشل آلياتها المدنية. ومن هذه الزاوية، فإن مايو لم يكن بمقدوره ان يخرج من رحم منصور خالد، فقد كان أكبر عمر منه وارسخ وبحاجة لرحم اعمق اسمه الأزمة السودانية : أزمة نظام سياسي لم ينجح في بناء قواعد مستقرة للتداول، عاجز عن تحييد الجيش عند تنازع المدنيين، وفاشل في تحويل الديمقراطية من قشرة دستورية إلى مؤسسات قادرة على الحكم.

يقدم عبدالله علي ابراهيم في كتابه الراحلون همو الماركسية السودانية مادة غنية ، تضعف للغرابة القراءة الاختزالية التي تُردِّد أن مايو خرج من “رحم فكري” واحد. ففي تلك الصفحات، لا يعامل عبد الله مايو بوصفه حدثًا واضح النسب، مستقيم المفهوم، سهل التوصيف، وانما اجتهد في عدة صفحات يحاول ان يشرحي كيف ان مايو كانت حدثًا أربك النظرية ذاتها. حين تحدث عن “الحلقة الخبيثة”: تعاقب الديمقراطية والانقلاب داخل تاريخ السودان المستقل. ولج إلى ما هو أعمق: إلى أن الحزب الشيوعي نفسه—وهو الحزب الذي امتلك، نظريًا، تعريفًا صارمًا للانقلاب باعتباره تكتيكًا للبرجوازية الصغيرة—لم يستطع أن يطبق تعريفه هذا على مايو دون تردد أو ارتباك أو إعادة توصيف.

في هذه الصفحات، يتحدث عبد الله عن “إغلاق باب الاجتهاد” في نظرية الانقلاب؛ أي عن توقف التطوير النظري عند لحظة اصطدام المفهوم بالواقع. ثم يكشف أن الحزب لم يثبت على تسمية واحدة لمايو: تارة “انقلاب”، وتارة “حركة”، وأحيانًا “انتفاضة”، حتى بلغ به الأمر أن وضعها “بين منزلتين: بين انقلاب وثورة أو كاد”. هذه ليست مسألة لغوية. هذه شهادة على أن الحدث نفسه تجاوز القالب النظري الجاهز. وإذا كان الفاعلون الأقرب إلى مايو قد اختلفوا في اسمه، وترددوا في تحديد جنسه السياسي، وتهاوت بين أيديهم المنصة الطبقية الصلبة التي كانوا يزنون بها الانقلابات الأخرى، فكيف يُختزل هو، بعد ذلك كله، في فكر منصور خالد؟
وتفيد بعض الشهادات والسير السياسية أن الرهان على السلطة، وعلى المؤسسة العسكرية بوصفها أداة للحسم، لم يكن غريبًا عن بعض تيارات اليسار السوداني قبل مايو. فالسجال الذي دار بين أحمد سليمان وعبد الخالق محجوب في أواخر الستينيات يكشف أن السؤال كان مطروحًا مبكرًا: هل يمكن أن تكون القوات المسلحة “أمل الإنقاذ” ووسيلة العبور إلى مشروع التغيير؟
فقد كتب أحمد سليمان، المتأثر عبر هنري كورييل ببعض القراءات اللينينية التي ترى أن السلطة هي التي “تقرر واقع الحال” وتفتح الممكنات التاريخية، أن القوات المسلحة تمثل الأداة الحاسمة لإنقاذ البلاد من مأزقها السياسي. وهو طرح لم يمر دون معارضة؛ إذ رد عليه عبد الخالق محجوب محذرًا من الانزلاق إلى منطق انقلابي يتجاوز العمل الجماهيري والتنظيم المستقل.
والمفارقة الأعمق أن هذا السجال لم يكن معزولًا عن إشكال نظري داخل الماركسية السودانية نفسها؛ إذ كان عبد الخالق قد أبدى، في سياق تقييمه لبعض التجارب الإفريقية والناصرية، تفهمًا لإمكانية التقدم عبر طرق غير كلاسيكية، قبل أن يرفض لاحقًا منطق نميري ويصنفه ضمن البرجوازية الصغيرة. وهو ما دفع أحمد سليمان إلى التساؤل: ما الذي يجعل عبد الناصر “ديمقراطيًا ثوريًا” بينما يُرفض نميري بوصفه برجوازيًا صغيرًا؟
وعندما وقعت المفاصلة الكبرى داخل الحزب عام 1970، لم يكن الانقسام حول موقف تكتيكي عابر، ولكن حول تصور كامل لطبيعة التغيير. فقد اتجه أحمد سليمان، ومعه فاروق أبو عيسى ومعاوية إبراهيم (سورج)، إلى مركب نميري، معتبرين السلطة أداة ممكنة لتحقيق المشروع، بينما تمترس عبد الخالق محجوب خلف استقلال الحزب والعمل الجماهيري. وهنا يتضح أن مأزق مايو لم يكن مأزق منصور خالد وحده، وإنما كان مأزق جيل كامل انقسم حول معنى السلطة، وحدود الحزب، وطريق التغيير نفسه.

إن أخطر ما تكشفه نصوص عبد الله هو أن الحزب الشيوعي لم يعجز فقط عن تسمية مايو، وإنما عجز عن تحليله بالمنهج الذي زعم امتلاكه. فهو، بحسب عبد الله نفسه، لم يعد يعبّر عن “المنصة الطبقية” التزامًا بمنطقها، ولكن أخذ يصف الظواهر بوقائعها السياسية المباشرة، ويترك الطبقة في الخلفية، أو يهجرها تمامًا حين تعجز عن احتواء الحدث. وصار بعد ذلك يضع لافتة الايديولوجيا كانقلاب كيزان، بعثيين، يساريين وغادر منهجه وما توافق عليه من تشخيصات (كتكتيكات البرجوازية الصغيرة). وهذه نقطة جوهرية جدًا، لأنها تعني أن مايو لم يكن ثمرة نظرية مكتملة، وإنما مناسبة كشفت حدود النظريات كلها. ومن هنا لا يستطيع ان يكون منصور خالد منظّر للانقلاب، فالانقلاب نفسه كان أكبر من أدوات الفاعلين الذين ظنوا أنهم يفهمونه.

ثم إن العودة إلى الأدبيات التاريخية الأساسية تؤكد أن مايو لم يكن انقلاب مفكرين، وكلنا نعرف انه كان انقلاب ضباط وتنظيمات وشبكات وتحالفات متنازعة داخل لحظة انهيار سياسي. في مقال ألان غريش الكلاسيكي عن “الضباط الأحرار والرفاق”، توصف أيديولوجية النظام الجديد بأنها “Arab nationalism infused with socialism”؛ قومية عربية مشربة بالاشتراكية، ونموذجها التجربة الناصرية، وقاعدتها الاجتماعية الجيش والفئات الحضرية. هذه الصياغة وحدها تكفي لإخراج مايو من النسبة الحصرية إلى منصور خالد. فالحدث كان، منذ لحظته الأولى، ناتجًا عن تداخل القومية العربية والاشتراكية العسكرية، وعن حضور الضباط الأحرار، وعن علاقة شديدة التعقيد بالحزب الشيوعي، لا عن نصوص منصور أو مزاجه الفكري.

ولنكن أكثر صراحة: في 19 يوليو 1971، حين قام ضباط متعاطفون مع الشيوعيين، تحت قيادة هاشم العطا، بانقلاب مضاد سجن نميري مؤقتًا وأقام سلطة تنفيذية جديدة ذات صلات وثيقة بالحزب الشيوعي، قبل أن يُهزم هذا المسعى ويُعدم عبد الخالق والشفيع وآخرون. إذا كانت هذه الوقائع لا تقول إن الحزب كان “الرحم الفعلي” الوحيد للانقلاب، فإنها تقول، على الأقل، إنه لم يكن ضحية بريئة لمايو، ولا شاهدًا محايدًا عليه، فقد كان طرفًا من أطراف مناخه، ومشاركًا في إعادة تعريفه، ثم في محاولة استرداده.

تكشف وثائق الصراع داخل الحزب الشيوعي السوداني بعد مايو أن القضية لم تكن يومًا قضية منصور خالد. فالسلطة الجديدة تبنت أجزاء من برنامج الحزب، وعيّنت شيوعيين ووزراء يساريين بصفتهم الشخصية، ثم سعت في الوقت نفسه إلى نزع استقلال الحزب تمهيدًا لتصفيته. ومن هنا انفجر الصراع حول سؤال وجودي: هل يبقى الحزب حزبًا مستقلًا، أم يذوب داخل مؤسسات السلطة؟ وهل يكون التحالف مع السلطة تحالفًا نقديًا من خارجها، أم اندماجًا وظيفيًا داخلها؟ وإذا كانت أسماء مثل جوزيف قرنق، ومعاوية إبراهيم، وأحمد سليمان، قد دخلت هذا الفضاء بدرجات متفاوتة، فلا يستقيم تاريخيًا ولا أخلاقيًا أن يُختزل هذا المشهد كله في اسم منصور خالد وحده.

تروي وثائق تلك الحقبة مأزقًا فكريًا وسياسيًا حقيقيًا. فقد أحس كثيرون—داخل الحزب وخارجه—أن الانقلابيين اخترقوا أجندة الحزب الشيوعي: تبنوا شعاراته، واستعاروا بعض مفرداته، ورفعوا رايات التقدم والاشتراكية، ثم صاغوا من ذلك كله سلطة عسكرية صادرت الحقوق والحريات، وجرّدت هذه الشعارات من مضمونها الاجتماعي والديمقراطي. وبهذه اللغة يمكن القول إن مايو انقلبت على النظام البرلماني واستولت على بعض لغة اليسار نفسه، ثم استخدمتها كأداة لتطويعه أو تصفيته.
ومن الإنصاف ايضا أن نقول إن منصور خالد لم يكن وحده من المدنيين الذين التحقوا بمايو حتى يُعزل وحده في موضع الشبهة. فقد دخل النظام الجديد أيضًا وزراء وشخصيات محسوبة على الحزب الشيوعي أو قريبة منه، من بينهم جوزيف قرنق، الذي صار وزيرًا لشؤون الجنوب ثم وزيرًا للتموين، وفاروق أبو عيسى، الذي ارتبط اسمه مبكرًا بالجبهة الوطنية الديمقراطية وبالبيئة اليسارية التي رأت في مايو إمكانًا سياسيًا، ومعاوية إبراهيم الذي مثّل، داخل الحزب، جناحًا أكثر ميلًا إلى الانخراط في النظام والتعامل معه كفرصة لا كقطيعة. وليس المقصود من ذكر هذه الأسماء توزيع الإدانة بالتساوي، وانما منع الظلم من أن يقع على اسم واحد وحده، وكأن سائر من التحقوا بمايو كانوا خارج الحساب. فإذا كان الالتحاق بالنظام بعد قيامه قرينة إدانة فكرية، فلماذا يُنتقى منصور خالد وحده من بين هذا الطيف الواسع من المدنيين والتكنوقراط واليساريين الذين رأوا، بدرجات متفاوتة، في مايو إمكانية تاريخية أو أداة انتقال أو ساحة صراع؟

وهنا أصل إلى منصور خالد نفسه، لأضعه في موضعه الصحيح. ما الذي تقوله الوقائع الموثقة عنه؟ تقول أولًا إن الرجل لم يكن من “الضباط الأحرار”، ولا من الدائرة العسكرية التي خططت لـ“ساعة الصفر”. مساره قبل مايو كان مسارًا أمميًا وقانونيًا وثقافيًا: عمل بالأمم المتحدة في نيويورك، ثم انتقل إلى اليونسكو في باريس، حيث تولى شؤون العلاقات مع الدول العربية لعدة سنوات، قبل أن يعود إلى السودان ويلتحق بالنظام الجديد في موقع مدني وزاري، لا في موقع عسكري انقلابي. وتفيد السجلات البيوغرافية المتاحة بأنه عمل في اليونسكو بين 1965 و1969، ثم تولى وزارة الشباب والشؤون الاجتماعية بين 1969 و1971، قبل أن يصبح وزيرًا للخارجية ابتداءً من 1971. هذه تفاصيل تبدو صغيرة، لكنها حاسمة؛ لأنها تنقل الرجل من صورة “مهندس الانقلاب” إلى صورته الحقيقية: مثقف تكنوقراطي التحق بنظام قائم، ولم يكن من صُنّاعه العسكريين المباشرين.

أما لماذا التحق بمايو، فهنا ينبغي أن نكون منصفين فكريًا، لا محامين أو مدعين. مشروع منصور خالد، كما يقدمه هو نفسه، هو مشروع تشريح للنخبة السودانية التي كان يرى أنه ينتمي إليها ويشتبك معها في آن. وصفه الأشهر للنخبة في The Government They Deserve لا يحتاج إلى شرح طويل: أزمة السودان، عنده، راجعة إلى “intellectual if not moral failures”؛ إلى إخفاقات فكرية، إن لم تكن أخلاقية، وسمت هذه النخبة قبل الاستقلال وبعده. وهو لا يتحدث هنا عن العسكر وحدهم، لكن عن الصفوة كلها: الطائفية، والبيروقراطية، والليبراليين، واليسار، وكل من توهم أنه يملك السودان من غير أن يبني له دولة قابلة للحياة. هذا هو قلب مشروعه: ليس تنظيرًا للعسكر، بقدر ماهو احتجاجًا على إدمان الفشل الذي مارسته النخبة حين حولت الانتخابات إلى امتداد للولاءات التقليدية، والدولة إلى غنيمة، والديمقراطية إلى لافتة أكثر منها مؤسسات.

ومن هذه الزاوية تحديدًا يُفهم رهان منصور على “الدولة المنظمة” أو “التحديث من أعلى”. لقد كان هذا، بكل ما فيه من خطورة، رهان جيل واسع من مثقفي العالم الثالث الذين صدمتهم هشاشة مجتمعات ما بعد الاستعمار، وتعثر البرلمانيات المبكرة، وسطوة الطائفية والقبلية، وغياب الإدارة الحديثة. أخطأ منصور، نعم، حين بالغ في الثقة بإمكانية استخدام السلطة المركزية أداةً للتحديث. لكن هذا الخطأ ليس “جريمة مايو” وحده؛ إنه خطأ جيل فكري كامل، من الجزائر إلى غانا إلى تنزانيا إلى السودان، آمن بأن بناء الدولة قد يسبق الحرية، أو أن الحرية الشكلية لا تكفي لبناء دولة.

لكن الإنصاف لا يقتصر هنا على بيان طبيعة مشروع منصور، بل يقتضي أيضًا تتبع مسار خلافه المتراكم مع مايو نفسها، حتى يتضح أن الرجل لم يكن “منظّرًا” لها بالمعنى الجامد الذي يُراد تثبيته عليه. فخلافه مع النظام لم يبدأ بوصفه مجرد اعتراض أخلاقي على “حكومة عسكرية”، فلقد نشأ وتعمق كلما انزلق النظام، في نظره، من مشروع تحديث ودولة منظمة إلى أوتوقراطية شخصية تتمركز حول جعفر نميري. لقد دخل منصور إلى مايو وهو يراهن—بصواب أو خطأ—على الدولة لا على الفرد، وعلى المؤسسات لا على الشخص. لكنه رأى، مع الوقت، أن المشروع الذي ظنه قابلًا للتحديث من الداخل ينقلب إلى نقيضه: دولة شخصانية، لا دولة مؤسسات.

ومن هنا جاءت القطيعة الأعمق: قطيعة مع ما رآه انهيارًا لفكرة السودان الحديث نفسها. كان يطمح إلى بناء مؤسسات حديثة وكسر الحلقة الطائفية والإدارية المفرغة، لكنه رأى أن مايو انتهت إلى إهدار هذا الوعد، لا بتحويله إلى حكم فردي فقط، بل بتحويله لاحقًا إلى مشروع هيمنة ثقافية وأحادية هوية. وكانت قوانين سبتمبر 1983 من أكبر علامات هذا الانفصال؛ إذ رأى فيها نكوصًا عن فكرة الدولة الوطنية الحديثة، وفتحًا لباب الهيمنة الثقافية الأحادية باسم الدين.

ثم جاء إلغاء الحكم الذاتي للجنوب ليعمّق هذا الانفصال ويمنحه بعدًا وطنيًا وجوديًا. فقد اعتبر منصور أن ضرب ترتيبات الجنوب كان خطوة مدمرة هدمت ما أمكن بناؤه من تسوية وطنية، وأسهمت مباشرة في تأجيج الحرب الأهلية بدل احتوائها. وهنا تعدى الخلاف مع مايو أسلوب الحكم ليدور حول فكرة السودان نفسه: هل هو دولة متعددة تتسع لتنوعها، أم سلطة تحتكر تعريف الهوية والثقافة والدين من المركز؟

لقد انتهى منصور إلى أن مايو، خصوصًا في مرحلتها الأخيرة، لم تعد تدير دولة متعددة، فقد راحت تفرض تعريفًا واحدًا للهوية والثقافة والدين، وهو ما رآه نقضًا لفكرة السودان المتعدد. وبذلك لم تعد مايو، في قراءته، تمثل مشروعًا تنمويًا أو تحديثيًا، وهي تنجرف إلى تديين السلطة، واستخدام الدين أداة سياسية، وهو ما عدّه تدميرًا للعقد الوطني نفسه.
لكل هذا، فإن سيرة منصور نفسها تُكذِّب اختزاله في صورة “منظِّر العسكر”. فهو لم يظل وفيًا لمايو حين تحولت من وعد تحديثي، في نظره، إلى أوتوقراطية فردية، ثم إلى مشروع ديني قسري. ومع السنوات، وخاصة بعد قوانين سبتمبر 1983 وما مثّلته من انقلاب على العقد الوطني وعلى التعدد السوداني، غادر الرجل هذا المسار نهائيًا، واتجه تدريجيًا إلى موقع فكري وسياسي آخر: إلى نقد المركز نفسه، وإلى قراءة السودان من جهة التهميش، لا من جهة الإدارة فقط. والنتيجة الأكبر لهذا التحول ظهرت في علاقته بجون قرنق والحركة الشعبية. ففي 1985 أصبح مستشارًا سياسيًا لقرنق، ثم واحدًا من أبرز الوجوه الشمالية التي ساهمت في بلورة فكرة “السودان الجديد”، وشارك لاحقًا في التفاوض الذي قاد إلى اتفاق السلام الشامل 2005. وهذا الانتقال ليس “مغامرة” أخرى كما قد يقال، بقدر ما انبنى على مراجعة فكرية كبرى: انتقال من الاعتقاد بإصلاح الدولة من المركز، إلى الاعتقاد بأن أزمة السودان بنيوية، وأنها كامنة في طبيعة المركز نفسه، وفي علاقته بالهامش، وفي تعريفه الأحادي للهوية والسيادة والمواطنة.

هنا يتضح وجه الظلم في رد مايو إلى “رحم منصور خالد”. فالرجل، مهما اختلفنا معه، لم يبق أسير لحظة 1969. لم يعش داخل مايو حتى النهاية، ولم يسبغ على الدولة العسكرية قداسة ثابتة، ولم يبرر قوانين سبتمبر أو الحرب باسمها، وانما خرج منها فكريًا وسياسيًا، ثم قضى سنواته اللاحقة في التشريح المرير لما أسماه هو نفسه “الثورة المساومة” أو “الثورة التي فُرِّغت من معناها”، وفي نقد النخب التي أدمنت الفشل وأنتجت دولتين لا دولة واحدة.

إن الإنصاف هنا لا يقتضي تبرئة منصور خالد من كل خطأ. من حقنا، بل من واجبنا، أن ننتقد رهانه على الدولة الفوقية، وأن نسائله عن سنوات مشاركته في نظام مايو، وأن نقرأ بعين حادة الثمن الأخلاقي والسياسي لأي انخراط في سلطة عسكرية، مهما كانت المبررات. لكن ليس من حقنا، في المقابل، أن نحمّله ما لا يحتمل: أن نجعله الرحم الفكري الوحيد لانقلاب سبقت ثقافته الرجل، وشارك في صنع شروطه الطائفيون والضباط والقوميون والشيوعيون والمركز والدولة الهشة جميعًا.

الأدق، والأعدل، أن نقول إن مايو—كحال 1958 و1989—خرج من رحم أزمة النظام السياسي السوداني، لا من رحم منصور خالد. خرج من دولة لم تستطع أن تروّض جيشها، ولا أن تؤسس لأحزاب برامجية، ولا أن تحول الديمقراطية إلى التزام مؤسسي، ولا أن تبني عقدًا وطنيًا يعترف بكل السودانيين. وخرج أيضًا من نخب—تقليدية وحديثة، يمينًا ويسارًا—ظلت ترى في الجيش أحيانًا أداة خلاص، وأحيانًا أداة تصحيح، وأحيانًا مخرجًا من “المأزق”، قبل أن تكتشف أنه هو نفسه جزء من المأزق. ويكفي ان رجلا واحدا كجعفر نميري حين اعتلى السلطة في ظرف 17 عام فقط قضى على اهم الاحزاب في تاريخ السودان واجمل عقولها بشكل لم تقم فيها لهم بعده قائمة الى يومنا هذا كما قال لي عبدالله نفسه ذات حوار. ولازلت اذكر ما قاله الترابي في لقاء تلفزيوني عن الانقلابات: لقد تأذينا وتأدبنا من الانقلابات!!
والحقيقة عانينا ولازلنا كسودانيين نعاني من مغامرات اليمين واليسار الانقلابية ..ومن غير الانصاف ان نعلقها في رقبة رجل وحيد هو منها براء…

ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى بعد الفراغ من اسم منصور خالد: لماذا ظل الانقلاب ممكنًا، مستساغًا، ومتاحًا في الخيال السياسي السوداني، مهما اختلفت الأفكار والأجيال؟
ذلك هو السؤال الذي يُنصف التاريخ، ويُبرئ الموتى من أن يحملوا وحدهم وزر الأحياء.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole