*مفتاح المدى… حكاوي من زمن الحرب وزارة التعليم العالي وإيجاد المعادلة الصعبة بقلم / د. محمد حمد محمد أحمد*

في بريد وزارة التعليم العالي، تتشكل ملامح “المعادلة الصعبة” التي فرضتها ظروف الحرب، حيث لم يعد التعليم مجرد خدمة، بل معركة موازية تُخاض لإبقاء العقول حيّة وسط الدمار. في لقاءٍ للسيد وزير التعليم العالي عبر إحدى الصحف الإلكترونية، استوقفني عنوان الحوار: “إغلاق المراكز الخارجية… قرار نهائي”، وما حمله من أرقامٍ ووقائع تعكس حجم التحدي وتعقيد المشهد.
سبع جامعات في إقليم دارفور نُقلت إلى ولايات أكثر أمانًا، وعشر جامعات حكومية من أصل خمسٍ وثلاثين تضررت بشكل مباشر. كما يشمل المشهد 129 كلية وجامعة، بينها 80 جامعه خاصة، وسط غياب إحصاءات دقيقة لحجم الدمار أو أعداد الطلاب المتأثرين. وتشير التقديرات إلى أن كلفة صيانة الجامعات الحكومية المتضررة وحدها تبلغ نحو 130 مليون دولار، في ظل دمارٍ ممنهج طال البنية التحتية، ما يعكس حجم الفجوة التي يتعين ردمها في قطاع التعليم العالي.
أما قرار إغلاق المراكز الخارجية، فقد استند إلى مبررات واضحة: غياب التصديق الرسمي من الوزارة، وعدم الحصول على موافقات الدول المستضيفة، وضعف توافق برامج التعليم عن بُعد مع المعايير المطلوبة، إضافة إلى اختلال التوازن بين التخصصات النظرية والتطبيقية.
ورغم وجاهة القرار من حيث ضبط الجودة، إلا أنه وضع الجميع أمام معادلة معقدة تتقاطع فيها أربعة أطراف رئيسية:
أولًا: الأكاديميا (الجودة مقابل الانتشار)
تسعى الوزارة إلى حماية قيمة الشهادة الجامعية ومنع تحول بعض المراكز إلى منافذ لمنح شهادات بلا بيئة علمية حقيقية. الهدف هو خريج يمتلك مهارة، لا مجرد ورقة.
ثانيًا: الاقتصاد (التمويل مقابل الاستدامة)
كانت هذه المراكز تمثل مصدر دخل مهم للجامعات، خاصة في ظل غياب الدعم الحكومي. ومع إغلاقها، تبرز معضلة: كيف تُموّل الجامعات إعادة الإعمار دون تحميل الدولة أو الطلاب أعباء إضافية؟
ثالثًا: الطالب (الفرص مقابل القيود)
أتاحت المراكز الخارجية فرصة التعليم لآلاف الطلاب في الخارج، خصوصًا مع كون العودة خيارًا طوعيًا. إغلاقها قد يُفسر كحرمان، ويدفع البعض نحو بدائل غير معترف بها أو إلى التوقف عن الدراسة.
رابعًا: سوق العمل (التوازن مقابل التضخم)
أسهمت هذه المراكز في تخريج أعداد كبيرة من تخصصات نظرية مشبعة، مما أدى إلى بطالة مقنعة. القرار يسعى لضبط هذا الخلل، لكنه يصطدم بثقافة مجتمعية ترى في الشهادة الجامعية هدفًا بحد ذاته.
المعادلة المستحيلة
تكمن الأزمة في المفاضلة بين مكاسب وخسائر متداخلة: رفع جودة التعليم مقابل فقدان مرونة الوصول إليه، تحقيق الانضباط الأكاديمي مقابل خسارة مورد مالي مهم، وتحقيق العدالة في سوق العمل مقابل تزايد الغضب الاجتماعي.
الحلول الممكنة
عادةً ما تلجأ السياسات الرشيدة إلى حلول وسط لفك هذا الاشتباك، منها: التحول إلى التعليم الرقمي المدمج وفق معايير عالمية، منح فترة انتقالية للطلاب الحاليين لإكمال دراستهم، وتطبيق نظام اعتماد صارم بدل الإغلاق الشامل، بحيث تُغلق المراكز المخالفة فقط وتُمنح الأخرى فرصة الالتزام.
ولابد أن يستند أي قرار سيادي أو وزاري إلى بُعدٍ استراتيجي يوازن بين الماضي والحاضر والمستقبل، بما يضمن حماية المورد البشري وتحقيق فرص التعليم. فهناك عوامل موضوعية تُحتّم النظر بجدية في الإبقاء على المراكز الخارجية وتقنينها بدل إلغائها بالكامل، من أبرزها:
• الخراب الممنهج الذي طال الجامعات الحكومية والخاصة، مما قلّص الطاقة الاستيعابية داخل البلاد.
• الزيادة الكبيرة في أعداد الطلاب الناجحين في امتحانات الشهادة السودانية، خاصة في الخارج؛ ففي المملكة العربية السعودية وحدها، جلس نحو خمسة آلاف طالب وطالبة للامتحانات في مركزين فقط، وهو مؤشر واضح على تنامي الطلب على فرص التعليم العالي خارج الحدود.
• إمكانية دمج المراكز الخارجية مع بعضها البعض، بما يحقق كفاءة أعلى في استخدام الموارد، والاستفادة من البنية التحتية المتاحة، وتوحيد المناهج، والاستعانة بكوادر أكاديمية مؤهلة ضمن إطار منظم.
وعليه، فإن مسؤولية المرحلة تقتضي من السيد وزير التعليم العالي تشكيل لجنة متخصصة تُعنى بملف المراكز الخارجية، تنظر إليه برؤية شاملة ومتوازنة تحفظ الحقوق، وتستوعب تعقيدات الواقع، وصولًا إلى إجابة واضحة ومقنعة للسؤال الجوهري: هل نحن بحاجة فعلية إلى مراكز خارجية للجامعات؟
فإن كانت الإجابة نعم، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في الإقرار بالحاجة، بل في كيفية التقنين. وهنا تبرز “المعادلة الصعبة” من جديد، حيث يصبح لزامًا وضع إطار قانوني وأكاديمي صارم يضمن جودة المخرجات دون إهدار الفرص. تقنين هذه المراكز يجب أن يقوم على أسس واضحة، من بينها: الحصول على اعتراف رسمي من الدول المستضيفة، الالتزام بالمعايير الأكاديمية المعتمدة، توفير بيئة تعليمية حقيقية—ولو عبر التعليم المدمج—وربط البرامج بحاجات سوق العمل.
كما ينبغي أن تخضع هذه المراكز لنظام رقابة وتقييم دوري، لا يكتفي بالترخيص، بل يستمر في قياس الأداء وضمان الاستمرارية بالجودة المطلوبة، مع إمكانية تحديد تخصصات بعينها يُسمح بتدريسها عبر هذه المراكز، خاصة تلك التي لا تتطلب بنية تطبيقية معقدة، بالتوازي مع التوسع في التعليم التقني والمهني داخل البلاد.
الخلاصة
إن جوهر التحدي لا يكمن في القرار ذاته، بل في موازنته بين “شعبية القرار” التي ترضي الواقع الآني، و“وطنية القرار” التي تبني مستقبلًا تعليميًا رصينًا. فالتعليم في زمن الحرب ليس مجرد استجابة للأزمة، بل استثمار في ما بعد الأزمة… حيث تُبنى الأوطان أولًا بالعقول، وتُصان بقيمة العلم وجودته.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole