*الذاكرة الجريحة وخطايا العودة المتأخرة*

إن المشهد السريالي الذي يحاول البعض رسمه اليوم حول انضمام النور قبة للقوات المسلحة وتصويره كفتح عظيم يتطلب منا وقفة حازمة أمام مرآة الحقيقة التي لا تجامل فالحرب ليست مجرد تحركات عسكرية أو انشقاقات سياسية بل هي أجساد وبيوت وأعراض انتهكت تحت سمع وبصر هؤلاء القادة الذين يطلون علينا اليوم بزي جديد ولغة منمقة تتحدث عن الانضباط والشرعية والحقيقة المرة التي يجب أن تقال في وجه كل من يحاول تبييض هذه الصفحات هي أن النور قبة لو حرر دارفور وحده واستعاد كل عرض مغتصب في الخرطوم ومدني والفاشر لن يكفر ذلك عنه خطيئة حصار واستباحة الفاشر ولن يمحو من ذاكرة الشعب تلك الأيام السوداء التي قضاها تحت رحمة المدافع والراجمات فكيف ننسى أو نتناسى غرف الموت التي أُهينت فيها كرامة النساء وكسرت فيها عزة الماجدات السودانيات وكيف نغفر لمن فتح الباب للمرتزقة والمأجورين ليعبثوا بأعراضنا ويحولوا حرائرنا إلى ضحايا لشهوات مريضة في حرب لم ترحم صغيراً ولا كبيراً وهل يظن هؤلاء القادة أن الذاكرة السودانية ثقيلة لدرجة نسيان منازلنا التي سُرقت جهاراً نهاراً وأثاثنا الذي بيع في أسواق دقلو تحت أعين من يدعون اليوم أنهم اختاروا طريق الحق فالحق لا يتجزأ والعدالة لا تقبل القسمة على التكتيكات العسكرية فكل قطعة أثاث نُهبت وكل جدار دُنس بفعل هؤلاء الأوباش هي دين في رقبة كل قائد كان يوزع التعليمات ويحرك القوات إن تغيير الزي العسكري وحلاقة الرأس التي يتشدق بها القبة في حواره ليست إلا قشوراً تخفي تحتها جروحاً غائرة في جسد الوطن فالوطن ليس مجرد حدود جغرافية بل هو كرامة المواطن التي دُهست تحت عجلات التاتشرات وبيوتنا التي تحولت إلى ثكنات للمرتزقة لا يمكن استرداد قدسيتها بمجرد بيان صحفي أو انشقاق في وقت الضياع والهاوية إن الشعب السوداني الذي دفع الثمن من دمه وعرضه وماله لا يملك ترف الصفح المجاني ولن يقبل بأن يتحول من كان شريكاً في هدم الدولة إلى حارس لأسوارها بمجرد أن أدرك أن كفة الميزان قد مالت فالجرائم ضد الإنسانية والانتهاكات الصارخة التي طالت الشرف والمال لا تسقط بخلع البدلة العسكرية القديمة وستظل صرخات النساء في الفاشر والخرطوم والجزيرة تطارد كل من صمت أو شارك أو قاد هذه المليشيا مهما حاول الاختباء خلف لافتة الرحم الأصيل لأن الرحم الأصيل لا ينجب من يستبيح بيوت أهله ويهتك ستر أخواته.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole