*مطبات طريق حظر الاستيراد.. صدمة كهربائية في جسد اقتصاد منهك ​بقلم: وداد الماحي*

​في محاولة لفرملة الانهيار المتسارع للجنيه السوداني الذي تجاوز حاجز الـ 4100 مقابل الدولار، أصدر رئيس مجلس الوزراء الانتقالي، كامل إدريس، قراراً “جراحياً” بحظر استيراد 45 سلعة دفعة واحدة. وبينما تهدف الحكومة من هذه الخطوة إلى تقليل الضغط على النقد الأجنبي، إلا أن الطريق أمام تنفيذ القرار مليء بالألغام والمطبات التي قد تؤدي إلى نتائج عكسية إذا لم يتم تداركها برؤية استراتيجية شاملة.

أولاً: مطبات الطريق الوعرة

​مطب “الندرة والسوق السوداء”: حظر سلع شبه أساسية كالأرز والفول المصري والصلصة سيؤدي حتماً إلى غيابها من القنوات الرسمية، مما يفتح الباب واسعاً أمام التهريب عبر الحدود. النتيجة؟ ظهور “سوق سوداء” بأسعار مضاعفة، ليدفع المواطن المنهك الثمن مرتين.

“شلل الصناعة المحلية”: شمل القرار حظر “المواد الخام للشركات” (البند رقم 20)، وهذا هو المطب الأخطر. فكيف نشجع الإنتاج المحلي ونحن نخنق مدخلاته؟ هذا التناقض قد يؤدي لتوقف ما تبقى من مصانع وطنية بدلاً من ازدهارها، مما يحول “الحماية” إلى “خنق”.

“الفجوة الغذائية”
تصنيف البقوليات والخضروات والفواكه كـ “كماليات” هو مجازفة كبرى بالأمن الغذائي، خاصة في ظل ظروف الحرب وتعطل مساحات زراعية شاسعة. هذا المطب يهدد بحدوث فجوة تموينية حادة لا يرحمها واقع التضخم المشتعل.

​ تراجع الإيرادات الجمركية تعتمد ميزانية الدولة بشكل كبير على الرسوم الجمركية. حظر هذه القائمة الطويلة يعني فقدان مورد مالي ضخم، مما قد يضطر الحكومة للبحث عن بدائل عبر فرض جبايات ورسوم جديدة على قطاعات أخرى لتعويض العجز.

​ “القدرة الرقابية”
إصدار القرار شيء، والقدرة على ضبط الحدود ومنع الاحتكار شيء آخر تماماً. في ظل الوضع الأمني الحالي، تبدو الرقابة تحدياً يفوق الإمكانيات اللوجستية، مما قد يجعل القرار مجرد “حبر على ورق” في كثير من الولايات.

(الحلول المقترحة)
​لكي تتحول هذه “الصدمة” إلى استراتيجية بناءة تسند العملة ولا تكسر ظهر المواطن، نضع أمام طاولة القرار هذه الحلول العاجلة:

​استثناء مدخلات الإنتاج فوراً: يجب إصدار ملحق للقرار يستثني المواد الخام والآلات الصناعية؛ فلا يمكن تحقيق “السيادة الإنتاجية” دون استيراد مدخلات التصنيع.

​تفعيل “التجارة التفضيلية” والتبادل السلعي: تنشيط اتفاقيات التجارة الحدودية مع دول الجوار بنظام المقايضة (سلعة مقابل سلعة)، لضمان تدفق الضروريات دون الحاجة لاستنزاف احتياطي الدولار.

​حزمة تحفيز “صنع في السودان”: منح إعفاءات ضريبية كاملة للمصانع المحلية التي توفر بدائل السلع المحظورة (كالصابون والزيوت)، ودعم صغار المزارعين لزيادة معروض الخضروات والبقوليات.
​الرقابة الذكية والشفافية: تفعيل دور الجمعيات التعاونية لضمان وصول المخزونات الحالية للمواطن بالسعر الحقيق، والضرب بيد من حديد على محتكري السلع المحظورة.

​جذب النقد عبر تسهيل الصادر: بالتوازي مع ضغط الاستيراد، يجب تذليل كافة العقبات أمام الصادرات السودانية (كالصمغ العربي واللحوم والذهب) لضمان تدفق عملة صعبة جديدة تغذي الخزينة.

​الخلاصة
​القرار هو “صدمة كهربائية” تهدف لإنعاش الجنيه، لكن الصدمة وحدها لا تكفي للشفاء. دون توفير بدائل محلية فورية ودعم حقيقي للمنتجين، قد تتحول هذه الخطوة من حماية للعملة إلى زيادة في معاناة المستهلك.

هل ستنجح المصانع المحلية ووحدات الإنتاج الأسري في سد فجوة الـ 45 سلعة قبل أن تنفد المخزونات الحالية وتشتعل الأسعار؟

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole