*انين السعف الباذخ.. مقامات فيلسوف في منحني النيل د.اسامه سيد أحمد حسين*

مدخل اول:
( الي جموع الشعب السوداني التي أعطت.. وأعطت.. وأعطت ولم تأخذ شيئا) – [ ابو القاسم حاج حمد]
مدخل ثاني:
طبت برزخا ومابا.. وجعلت
من الوارثين السابقين بالخيرات.
كان للجزيرةِ الخضراءِ ، في منحنى النيل عند “مُقْراتْ”، أن تلد فيلسوفاً. فهناك، حيثُ تهمسُ المياهُ لحكاياتِ الأزل، وتضوع بركات وانفاس وتاريخ ال عمران المعبأ بركة، وحيث نخلات ود لقاي التي هزت جزعها حكايات المحراب الممتلئة رزقا من عند الله.. وتتنفّسُ الخضرةُ أريجَ الخلود، وُلدَ محمدُ أبو القاسم حاج حمد، ابنُ الماءِ بامتياز، الذي امتلكَ من خصائصِهِ الكثير. فالماءُ، كما هو معلومٌ في خواصّهِ الفيزيائيّةِ، لا ينكمشُ إلّا ليتمددَ بعدها، كما يمثلُ أساساً لحسابِ كثافةِ الأجسامِ من حوله. وكذا كان حاج حمد، الذي فارقَ حالةَ انكماشِ المفكرينَ التقليديين، وخاضَ في فكرِهِ من الغوصِ في الأعماقِ ما يعجزُ عنه السابحون، وعاشَ هائماً على وجهِهِ بين مياهِ النيلِ العذبِ ومياهِ البحرِ الأحمرِ المالح.
عاشَ حاج حمد (1941-2004) قصةَ عشقٍ ممتدةٍ بين الفكرِ والثورةِ. كانَ في شبابِهِ ناشطاً سياسياً محموماً، لم تمنعهُ صِغَرُ سنّهِ من قيادةِ مظاهرةٍ ضدّ نظامِ “عبّود” وهو بعدُ في مقتبلِ العمرِ، ولا حملُ السلاحِ مع ثوارِ إريتريا بزعمِ أن “لوممبا” ينتظرُ النجدة. ثم ارتقى من همومِ الجزيرةِ إلى آفاقِ العالَميّةِ الثانية، ليصبحَ مفكراً ثائراً لا يكلّ ولا يملّ من محاولةِ رأبِ الصدعِ بين الشمالِ والجنوبِ في السودان، داعياً إلى الصوفيةِ الشفافةِ ككلمةِ سرٍّ قادرةٍ على جمعِ شملِ المكوّناتِ السودانيّةِ المختلفة.
ثنائية الفكر والصراع:
أدركَ حاج حمد، بفطرتهِ الآسرة، أنّ المعركةَ الحقيقيّةَ ليست مع الجيوشِ والحدود، بل مع المعرفةِ نفسِها. تمثلت رؤيتُهُ في مشروعٍ فكريٍّ طموحٍ أسماه “العالمية الإسلامية الثانية”، الذي لم يكن مجرّدَ تجديدٍ للعالَميّةِ الأولى، بل تاريخاً حضارياً جديداً متواصلاً يستمدّ من القرآنِ الكريمِ منهجَه الكلّي. لقد وضعَ يَدَهُ على الداءِ الأكبرِ الذي فتّ في عضُدِ الأمّة: وهو الصراعُ بين حاكميّةِ البشرِ وحاكميّةِ الله. استطاعَ، بجرأةٍ فلسفيّةٍ لم تأبه لقيودِ المألوف، أن يُعلنَ أنّ “طرحَ المقابلةِ بين حاكميّةِ اللهِ وحاكميّةِ البشر، أمرٌ لا يستقيمُ فلسفيّاً، وفق منهجيّةِ القرآنِ المعرفيّة، نسبةً إلى الفارقِ النوعيِّ بين الخالقِ والمخلوق”.
الجدل الثلاثي:
يظلُّ حاج حمد معلّماً بارزاً في علمِ الكلامِ الجديد، وصاحبَ نظريةٍ فذّةٍ في صياغةِ الرؤيةِ الكونيّة. لقد قدّمَ في كتابِهِ الخالد “جدلية الغيبِ والإنسانِ والطبيعة” معادلةً متكاملةً أساسُها وجودُ جدلٍ مستمرٍّ بين ثلاثِ ساحاتٍ لا تنفصمُ عراها: عالمُ الروحِ والوحي، والوعيُ والفاعليّةُ الإنسانيّة، والكونُ بقوانينهِ الطبيعية. بهذا الجدلِ الثلاثي،استطاعَ أن يتجاوزَ إشكاليّاتِ الماديّةِ الجدليّةِ من جهةٍ، وجمودِ الخطابِ الدينيِّ التقليديِّ من جهةٍ أخرى. رأى فيه كثيرونَ امتداداً فكرياً لابن عربي في العصرِ الحديث، ذلك الذي استطاعَ أن يضعَ لبنةً جديدةً في صرحِ الفكرِ الإنسانيِّ تليقُ باسمِ “فيلسوفِ السودان” الذي طالما لقّبوه به.
موقعه من التراث/ بين التعطيل والاغتراب:
كان حاج حمد، وهو يسبح في مياه التراثِ الآسنة أحياناً والعذبة أحياناً أخرى، يدرك أنّ أزمةَ العقلِ المسلمِ لا تكمنُ في التراثِ ذاته، بل في سوءِ التعاملِ معه. لقد رفضَ بحزمٍ خيارين اثنينِ استحوذا على الساحةِ الفكريةِ طويلاً: الخيارَ الأولَ، وهو التعاملُ مع التراثِ بوصفِهِ مرجعاً مُغلقاً ومقدساً، وهو ما وقعت فيه جماعاتُ الإسلامِ السياسي. والخيارَ الثانيَ، وهو قطيعةٌ معه، كما يفعلُ الحداثيّون الذين لا يرونَ خلاصاً إلا بالذهابِ إلى الغرب. وبدلاً من ذلك، آمن بأن لنا تراثاً وثقافةً وتاريخاً، ولا يمكن أن نعيشَ من دونها، ومارَسَ نقده من الداخلِ، بجُرأةٍ، دون أن يدعوَ إلى رميهِ في سلةِ المهملات.
في السياسة/ ناقداً لـ”الحاكمية” ومؤسساً لـ”كونفدرالية القرن الأفريقي”:
لم يكنْ حاج حمد فيلسوفاً يقبعُ في برجهِ العاجي، بل كان برجُهُ من قصبِ النيل وجريد النخيل.. فقد وجّهَ أقسى نقدٍ لـ “أيديولوجيةِ الحاكمية الالهية”، تلك التي صاغها المودودي وسيد قطب، مؤكداً أنّها تؤدي إلى عطالةِ الإنسانِ وسلبيّتِهِ، وتجرّه إلى مقولةِ الجبر. ذهبَ في نقدهِ إلى القولِ بأنّ “طرحَ المقابلةِ بين حاكميّةِ اللهِ وحاكميّةِ البشر، أمرٌ لا يستقيمُ فلسفياً”.
وعلى المستوى السياسي العملي، كان سبّاقاً في طرحِ مشروعِ “كونفدرالية القرنِ الأفريقي”، وهي الفكرة التي قال عنها البعضُ حينها إنها كانت “جنوناً”، لتصبح اليومَ مطمحاً لكثيرين، فيما يعكس سبقَ حاج حمد في النظرةِ الجيوسياسية.
نصُّ القرآن / كينونةٌ ورسالة:
في نظريّةِ حاج حمد في النصّ، لا يُقرأُ القرآنُ ككتابٍ للمناسباتِ والأحكامِ الجزئيّةِ فقط، بل هو كيانٌ معرفيٌّ كاملٌ. لقد قدّمَ رؤيةً مفادُها أنّ ما نزلَ في مكةَ هو “القرآنُ كرسالةٍ كونيةٍ”، وما نزلَ في المدينةِ هو “الرسالةُ القرآنيةُ في صيغتِها التشريعيةِ الاجتهادية”. تلك النظرةُ التي أرختِ الأزمةَ الفقهيةَ الحادّةَ في تاريخِ المسلمين.
مع الحداثة / استيرادٌ أم استنبات؟ :
لم يكنْ حاج حمد مغالياً في الحداثةِ ولا عدواً لها، بل وقفَ موقفاً نقدياً منها قائلاً: “إنّ الحداثة، في الوسطِ من العلمِ، هي أشكالٌ مستوردة، تتكرّس عبرَ تبعيّتِنا للحضارةِ الغربيةِ”. وهو يتركُ لنا سؤالاً مفتوحاً عن إمكانيةِ استنباطِ ما يوازيها في تراثنا.
خلاصة:
رحيل الجسد وبقاءُ الفكرة:
لم تغادر روحُ حاج حمدِ بيئةَ النيلِ التي احتضنتهُ.هو ابنُ الماءِ الذي سكنَ شرايينَ الجزيرةِ مقرات.. غادرَ جسدُهُ هذه الحياةَ في ديسمبرِ عام 2004، لكن فلسفتَه ظلّتْ جسراً معلقاً بين ضفتي التراثِ والتجديد.
في مشوارٍ قصيرٍ كهذا، يصعبُ الحديثُ عن أركانِ فكرهِ كلّها، فلعلّ في هذه الأضواءِ وما سبقَها، ما يُشْعِلُ في النفوسِ فضولَ المعرفةِ للغوصِ في أعماقِ فيلسوفٍ لم يأخذْ حقَّهُ بعدُ.
خاتمة:
رغم رحيلِ حاج حمد قبلَ أن يُكملَ مسعاه في تأسيسِ تلك “اليُوتوبيا” التي رسمها بخيالِهِ، فإنّ نصوصَهُ لا تزالُ تنبضُ بالحياةِ في كلِّ من يقرؤها. إنّها ليست مجرّدَ أسفارٍ في السياسةِ أو الدينِ، بل هي فلسفةُ حياةٍ كاملة، ومنهجيّةٌ كونيّةٌ تبحثُ عن الحقيقةِ في أعمقِ أعماقِ الذاتِ الإنسانيّة. إنّه الرجلُ الذي وضعَ يَدَهُ على جُرحِ الأزمةِ الفكريّةِ في وطننا العربيِّ والعالمِ الإسلاميِّ، محاولاً، بكلِّ قوّةٍ وإخلاصٍ، أن يقدّمَ للمستقبلِ ما يعينهُ على نهضتهِ وتطلّعاته.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole