السودان الآن ليس في مأزق… بل في امتحان وجود ليس هذا
توصيفًا بل حقيقة فجة تتقدم كل يوم على وقع الدم والخراب الدولة تُختبر في أصلها هل تستطيع أن تبقى أم أنها ستذوب تحت ضربات التمزق والارتهان والتآمر؟ لا مساحة للحياد هنا ولا مكان للعبارات الرمادية نحن أمام لحظة تُكتب فيها نهاية أو بداية ولا شيء بينهما
ما يجري ليس صراعًا عاديًا على السلطة كما يحاول البعض تسويقه بل عملية تفكيك بطيئة وممنهجة تُدار بوعي كامل وتُنفذ بأدوات متعددة السلاح الإعلام الشائعات والانقسامات الداخلية كل ذلك يتجمع ليصنع مشهدًا واحدًا دولة تُسحب منها أعمدتها الأساسية عمودًا بعد عمود
وفي قلب هذا المشهد يقف أخطر الفاعلين سماسرة الارتهان تجار الأزمات أولئك الذين باعوا القرار الوطني مقابل أوهام الحماية والدعم هؤلاء لا يتحدثون باسم السودان بل باسم مصالحهم الضيقة يطرقون أبواب الخارج وهم يعلمون أو يتجاهلون أن الخارج لا يقدم دعمًا بلا ثمن وأن الثمن دائمًا يكون من سيادة البلاد وثرواتها وقرارها الحر
إنهم يزينون التبعية بعبارات دبلوماسية ويغلفون الارتهان بخطاب سياسي ناعم بينما الحقيقة أكثر قسوة كل خطوة نحو الخارج دون ميزان وطني صلب هي خطوة نحو فقدان السيطرة على الداخل لا أحد في هذا العالم يمنحك القوة مجانًا بل يمنحك قيدًا جديدًا كلما ظننت أنك تتحرر
لكن ورغم خطورة هذا المسار فإن الجرح الأعمق يأتي من الداخل من تلك الأصوات التي لا تكتفي بالصمت بل تعمل بنشاط على تفجير ما تبقى من تماسك وطني. اليوم هناك من ينفخون في كير الفتنة بين الجيش والقوات المشتركة يضخون السموم في الفضاء العام يزرعون الشكوك ويعيدون تدوير الأكاذيب وكأنهم في سباق محموم لإشعال جبهة جديدة داخل الجبهة نفسها
هؤلاء ليسوا مجرد محللين مخطئين أو أصحاب آراء مختلفة بل جزء من ماكينة أخطر ماكينة تفكيك الوعي يستخدمون منصات إعلامية حسابات رقمية وتسريبات مشبوهة لصناعة روايات تهدف إلى شيء واحد كسر الثقة بين القوى التي يفترض أنها تقف في خندق واحد
يبدأ الأمر بسؤال بريء ظاهريًا ثم يتطور إلى اتهام ثم إلى شيطنة ثم إلى تحريض مبطن حتى يصبح الخلاف واقعًا لا مجرد احتمال هذه هي الطريقة وهذه ليست صدفة
نافخو كير الحرب بين الجيش والقوات المشتركة لا يعملون في فراغ بعضهم مدفوع بأجندات خارجية وبعضهم مدفوع بحسابات ضيقة وبعضهم وهو الأخطر مدفوع بجهل مميت لا يدرك أنه يخدم مشروعًا أكبر منه لكن النتيجة واحدة ضرب الجبهة الداخلية في أخطر لحظة
إن أي شرخ بين هذه القوى لن يكون خلافًا عابرًا بل زلزالًا يفتح الباب أمام انهيار شامل لأن من يقاتل اليوم إنما يقاتل على ما تبقى من شكل الدولة وإذا تفكك هذا الصف فلن تكون هناك معركة تُخاض أصلًا بل فوضى تُدار
والفوضى هنا ليست احتمالًا نظريًا هي سيناريو واضح المعالم مدن تتحول إلى كانتونات طرق مقطوعة اقتصاد منهار ومجتمع يُعاد تشكيله وفق منطق القوة لا القانون حينها لن يكون هناك جيش موحد ولا قرار مركزي ولا حتى مفهوم للدولة كما نعرفه
هذا هو الطريق المختصر نحو الصوملة ليس كشعار إعلامي بل كحقيقة سياسية واجتماعية مرعبة
الذين يلعبون على هذا الوتر اليوم سواء عن قصد أو عن غباء يضعون أيديهم في النار وهم يظنون أنهم يعبثون بالدخان فقط لكن النار حين تشتعل لا تفرق بين من أشعلها ومن اكتفى بالنفخ فيها
السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الخطابات بل إلى وضوح قاسٍ هل نحن مع بقاء الدولة أم مع تفكيكها؟ هل نحن مع تعزيز ما تبقى من تماسك أم مع تمزيقه تحت ذرائع النقد والتحليل؟
النقد حق بل ضرورة لكن حين يتحول إلى أداة هدم في لحظة حرب فإنه يفقد براءته ويتحول إلى سلاح
الرهان الحقيقي الآن ليس على من ينتصر سياسيًا بل على ما إذا كان هناك كيان سيبقى أصلًا ليشهد هذا الانتصار كل ما دون ذلك تفاصيل
إما أن يتوقف هذا العبث فورًا وتُغلق أبواب الفتنة ويُعاد توجيه البوصلة نحو العدو الحقيقي أو أن يستمر هذا الانحدار حتى النقطة التي لا يمكن بعدها إصلاح شيء
وحينها… لن يكون هناك وطن لنختلف عليه.




