*مفتاح المدى… حكاوي من زمن الحرب قلبنا… مدارس بقلم / د. محمد حمد محمد أحمد*

أحيانًا نطلق العبارات على سبيل التهكم أو السخرية أو حتى الاستهتار، دون أن ندرك أننا قد أصبنا كبد الحقيقة من حيث لا نشعر.
وعبارة «قلبنا مدارس» واحدة من تلك العبارات التي تُقال عفوًا، بلا كثير تأمل أو وعي، لكنها في واقع الأمر تختصر حكاية وطن بأكمله.
نعم… كلنا «قلبنا مدارس».
فالبيوت أضحت مدارس، والشوارع مدارس، وحتى أماكن النزوح ومقار السفارات صارت مدارس. أما المدارس نفسها، فقد تجاوزت معناها التقليدي، لتصبح رمزًا للصمود ومقاومة الانهيار.
لقد قلبتنا الحرب إلى مدارس، لأننا نخوض منذ ثلاث سنوات معركة ضد الظلام، بحثًا عن النور. وفي زمن الحرب، يصبح التعليم أكثر من مجرد حق؛ يصبح فعل مقاومة، ورسالة حياة، وإعلانًا صريحًا بأن الإنسان قادر على التشبث بالمستقبل مهما اشتدت العواصف.
في الحروب تُهدم الجدران، لكن أخطر ما يمكن أن يُهدم هو وعي الأجيال. لذلك كان الإصرار على استمرار التعليم نوعًا من الدفاع عن الروح الوطنية، وعن ذاكرة البلاد، وعن الحلم الذي يحاول الخراب اغتياله كل يوم.
كم من أمٍ حولت زاوية صغيرة في بيت النزوح إلى فصل دراسي!
وكم من معلمٍ حمل رسالته في حقيبة متعبة، متنقلًا بين الأحياء والملاجئ، ليمنح الأطفال درسًا في الحياة قبل أن يمنحهم درسًا في القراءة!
وكم من طالبٍ كتب واجباته على ضوء هاتف باهت أو تحت هدير المدافع، فقط لأنه يؤمن أن الغد يستحق المحاولة!
التحية من هنا إلى هبة الله، تلك التي حملت حلمها على كتفيها، وتكبدت عناء الأسفار، لتبحث في الرياض عن مقعد امتحان، مؤمنةً بأن الطريق إلى المستقبل لا توقفه الحرب ولا تغلقه المسافات.
والتحية إلى الماحي، وسليمان، وعادل، وصلاح،وسامي الذين تركوا أعمالهم وانشغالاتهم، و«قلبوا مدارس»، إيمانًا منهم بأن التعليم في زمن الحرب ليس وظيفة عابرة، بل واجب وطني ورسالة إنسانية عظيمة.
والتحية موصولة لكل طاقم السفارة السودانية في الرياض، من أصغر موظف إلى أعلى منصب، فقد صار الجميع هناك تحت إمرة التعليم العام، يعملون بروح الفريق الواحد، ويجتهدون من أجل أن يجد أبناؤنا فرصة لمواصلة الطريق رغم كل الظروف.
لقد جعلوا من السفارة مدرسةً كبيرة تستحق الاحترام والتقدير، وأكدوا أن الأوطان الحقيقية لا تُقاس بالمباني، بل بما تحمله القلوب من إخلاص، وما تصنعه الأيادي من أمل.
فيا قنصل السودان في الرياض…
كلنا قلبنا مدارس.
قلبناها لأن الوطن حين تضيق به الحروب، لا يبقى أمام أبنائه سوى أن يتمسكوا بالعلم بوصفه آخر أبواب النجاة وأول ملامح المستقبل.
لقد صار التعليم قضية الناس جميعًا؛ مسؤولية يتقاسمها المعلم، والطالب، وولي الأمر، والموظف، وكل من آمن بأن بناء الإنسان لا ينبغي أن يتوقف مهما اشتدت المحن.
لقد علمتنا الحرب أن المدرسة ليست مبنى من الأسمنت والطوب، بل فكرة عظيمة يمكن أن تعيش في أي مكان. المدرسة روح، والمعرفة أمل، والتعليم وطن متنقل نحمله معنا أينما ذهبنا.
وربما لهذا السبب تحديدًا خافت الحروب من التعليم، لأن الإنسان المتعلم يصعب كسره، ويصعب تضليله، ويستطيع دائمًا أن يبدأ من جديد.
إن الذين «قلبوا بيوتهم مدارس» لم يكونوا يهربون من الواقع، بل كانوا يصنعون واقعًا آخر أكثر إنسانية. كانوا يعلنون أن الحياة يجب أن تستمر، وأن الأطفال يستحقون فرصة للحلم، حتى وسط الركام.
وفي النهاية، قد تكون الحرب قد غيرت ملامح المدن، لكنها لم تستطع أن تنتزع من الناس إيمانهم بالعلم.
ولهذا نقولها اليوم لا سخرية ولا تهكمًا، بل فخرًا وإيمانًا:
نعم… كلنا قلبنا مدارس.
ونواصل ….
Mashahid3000@gmail.com

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole