أرى أن من أكبر الأخطاء التي وقعت في فهم قضية ختان الإناث، أن كثيرًا من المتأخرين من المشايخ وقعوا في خطأين كبيرين وخطيرين جدًا:
الأول:
الخطأ في فهم العلة من الختان.
والثاني:
الخطأ في طريقة الختان نفسها.
وأرى أن أصل الخطأ الأول يعود – إلى حد كبير – إلى الفهم الذي اشتهر عن شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – حين تحدث عن أن المقصود من ختان المرأة هو “تعديل الشهوة”.
يقول شيخ الإسلام:
“والمقصود من ختان المرأة تعديل شهوتها، فإنها إذا كانت قلفاء كانت مغتلمة شديدة الشهوة… ولهذا يوجد من الفواحش في نساء التتر ونساء الإفرنج ما لا يوجد في نساء المسلمين…”
ثم قال:
“فإذا حصل المبالغة في الختان ضعفت الشهوة، فلا يكمل مقصود الرجل، فإذا قطع من غير مبالغة حصل المقصود باعتدال”.
هذا الكلام هو أصل الإشكال الذي بُنيت عليه كثير من الفهوم اللاحقة.
فكثير من الطروحات المتأخرة تبنّت فكرة أن العلة من الختان هي تقليل الشهوة، ثم بُني على ذلك تطبيق خاطئ للمسألة.
لكن عندما نتأمل نصوص الأحاديث نفسها، لا نجد هذا المعنى ظاهرًا فيها أصلًا.
فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول:
«اخفضي ولا تنهكي؛ فإن ذلك أحظى للمرأة، وأحب إلى البعل»
وفي رواية:
«فإنه أحظى لإناثكن عند أزواجهن»
فكيف يتحول معنى:
«أحظى للمرأة»
إلى معنى:
تقليل متعتها أو إضعاف استجابتها الجنسية؟
وكلمة “أحظى” في اللغة لا تدل على السلب أو الإضعاف، بل على الحظ الأوفر والخير والمنفعة.
ولهذا قال الله تعالى عن أهل الجنة:
{وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: 35]
فالحظ في لغة العرب يدل على النصيب العظيم والخير والمنفعة، لا على النقصان أو الحرمان.
ثم إن الحديث نفسه يقول:
«ولا تنهكي»
أي لا تبالغي، ولا تستأصلي، ولا تضرّي.
وهذا وحده كافٍ للتفريق بين ما تصفه النصوص، وبين الممارسات الوحشية التي انتشرت لاحقًا.
لكنني أرى أيضًا أن أصل التحليل الذي قال به ابن تيمية يحتاج إلى إعادة نظر من عدة وجوه.
فهو ربط بين عدم الختان وبين شدة الشهوة والانفلات الأخلاقي، وضرب مثالًا بنساء الإفرنج.
ومن الأمور اللافتة أيضًا، أن ربط “القلفاء” بشدة الشهوة يبدو أنه أقدم من ابن تيمية نفسه، فقد وجدت إشارات مشابهة عند الجاحظ في كتاب الحيوان، وغيره من أهل الأدب والملاحظات الاجتماعية.
وهذا يرجح أن هذا التعليل كان متداولًا بوصفه تحليلًا اجتماعيًا وثقافيًا في بعض البيئات القديمة، ثم انتقل لاحقًا إلى بعض الطروحات الفقهية.
لكن هذا التحليل – في تقديري – يحتاج إلى إعادة تأمل من الناحية النفسية والواقعية.
أولًا:
لأن الشهوة أصلها في الدماغ والنفس والعقل، لا في العضو نفسه.
فالعضو ليس إلا وسيلة إحساس واستجابة.
تمامًا كما أن الإنسان يشتهي الطعام، لكن الشهوة لا تنبع من اللسان، فاللسان مجرد وسيلة للتذوق والإحساس.
ولو فَقَدَ الإنسان لسانه – والعياذ بالله – فلن يتوقف عن اشتهاء الطعام، لكنه سيفقد الإحساس الطبيعي بالطعم والتذوق.
وهذا يشبه الخطأ الذي وقع فيه كثير من الناس عند فهم وظيفة البظر.
ومن الأمور التي أراها غير منطقية أيضًا، محاولة بعض المشايخ تبرير فكرة “تقليل شهوة المرأة” بالقول إن المرأة أصلًا أشد شهوة من الرجل، وأن الختان جاء لضبط هذه الشهوة.
واللافت هنا أن ابن القيم نفسه خالف شيخه ابن تيمية في هذه النقطة مخالفة واضحة، ففي بدائع الفوائد ضعّف القول بأن المرأة أشد شهوة من الرجل، كما أكد المعنى نفسه في إعلام الموقعين بقوله:
«وأما قول القائل: إن شهوة المرأة تزيد على شهوة الرجل، فليس كما قال، والشهوة منبعها الحرارة، وأين حرارة الأنثى من حرارة الذكر؟!»
والمقصود من إيراد هذا الكلام هنا، ليس مجرد الاستشهاد بابن القيم لذاته، فهذه المسألة يشهد لها الواقع أصلًا، وإنما للتنبيه إلى أن هذا التعليل نفسه لم يكن محل اتفاق حتى داخل المدرسة الواحدة، إذ خالف فيه ابن القيم شيخه ابن تيمية مخالفة صريحة وواضحة.
فلو كان هذا الكلام صحيحًا بهذا الإطلاق، لكان من الصعب فهم كثير من الأحكام الشرعية نفسها.
ومن جهة أخرى،
لو كانت المرأة أشد شهوة من الرجل بطبيعتها إلى هذه الدرجة التي يصورها البعض، فلماذا أباح الله للرجل الزواج بأربع نساء؟
فهذا في حد ذاته يدل على أن طبيعة الرجل الجنسية واستعداده ورغبته ليست كما يصورها بعض الناس بأنها أضعف من المرأة.
ثم إن الواقع والحياة نفسها يشهدان أن الرجل – في الغالب – هو الأكثر مبادرة وطلبًا وسعيًا خلف النساء.
أما المرأة، فمهما كانت رغبتها، فإنها غالبًا ترتبط أكثر بالعاطفة والارتباط النفسي والاستقرار، لا بمجرد الدافع الجسدي المجرد.
ولهذا أرى أن تصوير المرأة وكأنها “كتلة شهوة منفلتة” تحتاج إلى إضعاف جسدي دائم، هو تصوير غير دقيق، ولا ينسجم لا مع الواقع، ولا مع الفطرة، ولا حتى مع كثير من المعاني الشرعية نفسها.
ثانيًا:
أن الواقع نفسه يهدم فكرة أن عدم الختان يؤدي إلى “الغلمة” أو الانفلات الأخلاقي.
فأغلب نساء المسلمين اليوم غير مختونات أصلًا، سواء في الخليج أو المغرب العربي أو كثير من بلاد المسلمين.
فهل أدى عدم الختان عند أغلب نساء المسلمين اليوم إلى ذلك الانفلات الذي كان يُتصور؟
وهل أصبحت المجتمعات الإسلامية اليوم كالمجتمعات التي ضعفت فيها الضوابط الأخلاقية فقط لأن أغلب النساء غير مختونات؟
الجواب واضح.
وهذا يدل على أن العامل الحقيقي في العفة والانضباط الأخلاقي ليس وجود القلفة أو عدمها، بل:
الدين، والحياء، والتربية، والقيم.
ثم جاءت المشكلة الثانية، وهي الأخطر:
وهي أن بعض المتأخرين لما ترسخ عندهم أن المقصود من الختان هو “تقليل الشهوة”، ظنوا أن ذلك لا يتحقق إلا بأخذ جزء من البظر نفسه.
وهنا بدأ الخلط الخطير.
لأن البظر – تشريحيًا – يعادل العضو الذكري عند الرجل،
ورأس البظر يعادل حشفة الذكر تمامًا.
بل إن البظر يُعد من أكثر الأعضاء حساسية في جسد المرأة بسبب الكثافة الهائلة للنهايات العصبية فيه.
فإذا كان قطع حشفة الرجل يُعد تشويهًا واضحًا، فكيف يُتصور أن يكون قطع رأس البظر من “الختان السُّني”؟
وكما لا يستقيم ذلك مع الطب والعقل، فإنه لا ينسجم كذلك مع ألفاظ النصوص نفسها.
والأهم من ذلك:
أن الأوائل من الفقهاء أنفسهم لم يقل أحد منهم بقطع البظر أصلًا.
بل كلامهم واضح جدًا في أن المقصود هو أخذ الجلدة التي فوقه، لا العضو نفسه.
فقد وصف العلماء الختان بأنه:
أخذ جلدة فوق موضع كالنواة،
أو أخذ الجلدة مع ترك الأصل.
بل إن بعض عباراتهم صريحة جدًا:
“تؤخذ الجلدة ويُترك الأصل كالنواة”.
وهذا وحده كافٍ لإثبات أن الكلام كان عن غطاء البظر، لا عن البظر نفسه.
بل إن ختان الإناث السُّني الصحيح – كما تصفه النصوص وكلام الفقهاء الأوائل – يشبه ختان الذكور تمامًا من حيث الفكرة التشريحية.
ففي الذكر تُزال القلفة أو الغُلْفة؛ أي الجلدة التي تغطي حشفة الذكر.
وفي الأنثى يكون الكلام عن غطاء البظر
(Clitoral Hood / Hood)
وهو الغطاء الجلدي الذي يحيط برأس البظر.
وهما في الأصل متماثلان تشريحيًا، حتى إن الطب الحديث يصف غطاء البظر بأنه النظير التشريحي لقلفة الذكر.
غير أن قلفة الرجل تكون دائرية وتحيط بالحشفة من جميع الجهات تقريبًا، بينما غطاء البظر يكون على هيئة طية أو غطاء جلدي يحيط برأس البظر من الأعلى.
أما البظر نفسه، فهو يقابل حشفة الذكر من حيث الحساسية والتركيب العصبي، لا الجلدة التي تغطيه.
وقد يتساءل بعض الناس هنا:
إذا كان البظر يقابل حشفة الذكر من حيث الحساسية والتركيب العصبي، فلماذا لا تبدو آثار قطعه عند بعض النساء بنفس الصورة الظاهرة عند الرجل؟
والجواب:
أن المقصود هنا هو التشابه من حيث التكوين العصبي والإحساس، لا التطابق الكامل في جميع الوظائف.
فالبظر وحشفة الذكر يُعدان نظيرين تشريحيين في الأصل، لكن عضو الذكر يمر عبره مجرى البول، وترتبط به وظائف جسدية ظاهرة بصورة أكبر، ولهذا تكون آثار قطعه أكثر وضوحًا وتعقيدًا من الناحية الظاهرة.
أما عند المرأة، فكثير من آثار قطع البظر تكون متعلقة بالإحساس والاستجابة والمتعة والعلاقة الزوجية، وهي أمور قد لا تُرى بالعين بنفس الصورة المباشرة، لكنها تبقى آثارًا حقيقية عند كثير من الحالات.
ولهذا كانت عبارات الفقهاء الأوائل واضحة حين قالوا:
“تؤخذ الجلدة ويُترك الأصل كالنواة”.
ولتقريب معنى «أحظى للمرأة» بصورة أوضح:
تخيل لو أن إنسانًا غطّى لسانه بطبقة سميكة من البلاستيك، ثم بدأ يأكل الطعام.
هل سيتذوق الطعام بصورة طبيعية وكاملة؟
بالتأكيد لا.
سيأكل، لكنه لن يشعر بالطعم والإحساس الكامل كما ينبغي، لأن هناك حاجزًا يمنع التلامس المباشر والإحساس الطبيعي.
وهذا يشبه حال بعض النساء اللواتي يكون البظر عندهن مغطى بجلدة أو غطاء جلدي زائد، مما قد يضعف الإحساس أو الاستجابة الطبيعية.
ومن هنا يمكن فهم معنى الحديث:
«أحظى للمرأة»
أي أن إزالة هذا الغطاء بصورة صحيحة وغير مبالغ فيها قد تجعل المرأة أكثر إحساسًا واستجابة ومتعة في حياتها الزوجية، لا العكس.
لكن المتأخرين – بسبب فهمهم الخاطئ للعلة – خلطوا بين الغطاء وبين العضو نفسه.
فصار بعضهم يشرح الختان السُّني بطريقة أقرب إلى التشويه.
ويبدو أن سبب هذا التحول عند بعض المتأخرين، أنهم لما تبنوا فكرة أن المقصود من الختان هو “تقليل الشهوة”، أصبحوا يبحثون عن تطبيق عملي يحقق هذه العلة كما فهموها.
فلو قيل لهم:
إن الختان هو مجرد أخذ الجلدة أو الغطاء الجلدي الذي فوق البظر،
فإن هذا – في تصورهم – لن يؤدي إلى تقليل الشهوة.
ومن هنا بدأ بعضهم يصف ختان المرأة بأنه أخذ جزء من البظر نفسه، ظنًا منهم أن هذا هو الذي يحقق معنى “تعديل الشهوة” الذي تكلم عنه ابن تيمية ومن تبعه.
وهنا وقع الخلط الكبير بين:
الغطاء الجلدي المحيط بالبظر،
وبين:
البظر نفسه.
مع أن كلام الفقهاء الأوائل كان واضحًا جدًا في التفريق بينهما، حين قالوا:
“تؤخذ الجلدة ويُترك الأصل كالنواة”.
وهنا بدأ السؤال يفرض نفسه من الناحية التشريحية والطبية أيضًا.
ثم عندما رجعتُ إلى الدراسات الطبية الحديثة، وجدت أمورًا لافتة جدًا.
فبعض الدراسات القديمة والحديثة تؤكد أن إزالة الغطاء الجلدي المحيط بالبظر تساعد الكثير من اللواتي يعانين من ضعف الاستجابة أو صعوبة الوصول للذروة.
ومن الدراسات التي استوقفتني:
دراسة الدكتور W.G. Rathmann عام 1959، والتي تحدثت عن تحسن ملحوظ عند نسبة كبيرة من النساء بعد إزالة غطاء البظر.
كما توجد شهادات وتجارب طبية حديثة لنساء أجرين عمليات إزالة أو تعديل غطاء البظر بهدف تحسين الاستجابة الجنسية أو إزالة مشكلات تتعلق بالحساسية أو الاحتكاك أو النظافة.
والأكثر لفتًا للنظر، أن هذه الفكرة نفسها أصبحت اليوم شائعة في كثير من العيادات الغربية تحت مسميات طبية وتجميلية متعددة، مثل:
Clitoral Hood Reduction
أو:
Clitoral Hoodectomy
أو:
Clitoral Unhooding
وتلجأ إليها كثير من النساء بسبب ضعف الإحساس أو صعوبة الوصول للذروة أو الاحتكاك أو لأسباب تتعلق بالنظافة والراحة.
بل إن كثيرًا من المواقع والعيادات الطبية الغربية تتحدث صراحة عن أن تقليل أو تعديل الغطاء الجلدي الزائد المحيط بالبظر قد يساعد بعض النساء على تحسين الاستجابة الجنسية وزيادة الإحساس وتقليل الانزعاج الناتج عن الاحتكاك أو تراكم الإفرازات.
ولعل من الأمور اللافتة أيضًا، أن مشكلة صعوبة الوصول للذروة أو ضعف الاستجابة الجنسية عند النساء ليست أمرًا نادرًا كما يظن البعض، بل تتحدث عنها المجلات والأبحاث الطبية الغربية بصورة واسعة.
ومن الدراسات الأمريكية ما ذكر أن نحو 24% من النساء عانين من عدم القدرة على الوصول للذروة خلال فترات من حياتهن.
كما أشارت مراجعات ودراسات أخرى منشورة في المجلات الطبية المتخصصة إلى أن اضطرابات الوظيفة الجنسية عند النساء عمومًا قد تصل – بدرجات متفاوتة – إلى نسب أعلى من ذلك، وأن صعوبات الوصول للذروة تُعد من أكثر المشكلات شيوعًا عند النساء.
وفي دراسات أحدث متعلقة بالتصاقات غطاء البظر (Clitoral Adhesions)، والمنشورة أيضًا في The Journal of Sexual Medicine، أظهرت أن علاج هذه الالتصاقات أو تحرير الغطاء الجلدي المحيط بالبظر أدى إلى تحسن القدرة على الوصول للذروة عند 64% من النساء المشاركات، وتحسن الاستثارة الجنسية عند 63%، مع ارتفاع نسبة الرضا عن الإجراء نفسه بين المشاركات في الدراسة.
كما وجدت دراسة أخرى منشورة في مجلة Sexual Medicine أن التصاقات وغطاء البظر الزائد قد توجد عند نسبة ملحوظة من النساء اللواتي يراجعن عيادات المشكلات الجنسية، وأن هذه المشكلة قد ترتبط بالألم أو ضعف الإحساس أو بعض صور الاضطراب الجنسي.
ومن المشكلات المعروفة طبيًا كذلك ما يُسمى:
Clitoral Phimosis
وهو ضيق أو انكماش الغطاء الجلدي المحيط بالبظر، وقد يؤدي عند بعض الحالات إلى ضعف الإحساس أو الألم أو صعوبة الوصول للذروة.
كما أن تراكم اللخن والإفرازات الدهنية
(Smegma)
تحت الغطاء الجلدي، خصوصًا مع ضعف الوعي بالنظافة أو صعوبة التنظيف، قد يؤدي أحيانًا إلى تحجر هذه الإفرازات وتكوّن ما يُعرف طبيًا بـ:
Smegmaolith
وفي بعض الحالات قد يؤدي ذلك إلى التصاقات أو انغلاق جزئي في الغطاء الجلدي المحيط بالبظر، مما قد يستدعي تدخلًا طبيًا أو جراحيًا لتحرير الالتصاقات أو تخفيف الغطاء الجلدي وإعادة الإحساس الطبيعي وتقليل الألم أو الانزعاج.
وهذه الحالات وحدها تكشف أن القضية ليست مجرد جدل نظري أو “ترف تجميلي” كما قد يتصور البعض، بل مشكلات طبية وتشريحية حقيقية قد تعاني منها بعض النساء، ويتعامل معها الطب الحديث عبر إجراءات معروفة تتعلق بالغطاء الجلدي المحيط بالبظر، لا بالبظر نفسه.
والمهم هنا، أن هذه الإجراءات الطبية تدور كلها حول تعديل أو تقليل الغطاء الجلدي المحيط بالبظر فقط، مع التشديد الصارم على الحفاظ على البظر نفسه وعدم المساس به، باعتباره عضو الإحساس الرئيسي شديد الحساسية والغني بالنهايات العصبية.
وقد يرفض بعض الناس فكرة الختان نهائيًا ويستنكرها تمامًا، بسبب ما سمعه أو شاهده من صور مؤلمة وممارسات خاطئة ارتبطت بهذه القضية عبر الزمن، بل وقد يصر بعضهم على أنها ليست من الدين أصلًا، أو أن الأحاديث الواردة فيها ضعيفة أو غير صحيحة.
لكن هنا ينبغي التنبه إلى نقطة مهمة:
حتى لو تركنا الجدل الديني كله جانبًا، وافترضنا أننا لا نعرف أصلًا شيئًا اسمه ختان في الإسلام، فإن الواقع الطبي نفسه يتحدث عن مشكلات حقيقية تتعلق بالغطاء الجلدي المحيط بالبظر، وأن الطب الحديث توصّل إلى إجراءات معروفة للتعامل مع بعض هذه الحالات، سواء بسبب ضعف الإحساس، أو الالتصاقات، أو ضيق الغطاء الجلدي، أو تراكم الإفرازات وتحجرها.
فالسؤال هنا ليس:
“هل نؤمن بالختان أم لا؟”
بل:
هل هذه المشكلات موجودة طبيًا أم لا؟
وإذا كانت موجودة فعلًا، والطب الحديث نفسه يتعامل معها عبر إجراءات معروفة تتعلق بالغطاء الجلدي المحيط بالبظر، فهل سنرفض هذه الحلول الطبية أيضًا، ونقول للنساء: اتركن الأمر كما هو، رغم ما قد يترتب عليه من معاناة أو ألم أو ضعف في الإحساس أو مشكلات زوجية؟
ومن الجوانب المهمة التي يُغفلها كثير من الناس أيضًا في هذه القضية، جانب النظافة وما قد يترتب على بعض الحالات من مشكلات معروفة طبيًا.
فبعض النساء أو الفتيات قد تتجمع لديهن الإفرازات واللخن (Smegma) تحت الغطاء الجلدي المحيط بالبظر، ومع الإهمال أو صعوبة التنظيف قد يؤدي ذلك أحيانًا إلى الحكة أو الروائح غير المرغوبة أو بعض مشكلات النظافة.
وفي بعض الحالات قد تتراكم هذه الإفرازات لفترات طويلة حتى تصبح متصلبة أو لزجة بصورة شديدة، مما قد يؤدي إلى التصاقات بين الغطاء الجلدي والبظر (Clitoral Adhesions)، وهو ما تتحدث عنه بعض المصادر الطبية الحديثة.
وهذه الأوساخ أو اللخن هي نفس المشكلة التي يعرفها الآباء والأمهات عند الأطفال الذكور غير المختونين، حيث تتجمع الإفرازات تحت القلفة وتسبب الحكة أو الالتهابات أو الروائح عند بعض الحالات.
فكما أن ختان الذكور يساعد على التخلص من هذه المشكلة وتحسين النظافة، فكذلك الأمر بالنسبة لختان الإناث بالطريقة السُّنية الصحيحة التي تحدث عنها الفقهاء الأوائل.
لكن المشكلة أن هذه المعاني الدقيقة ضاعت مع الزمن، واختلط عند كثير من الناس الغطاء الجلدي بالبظر نفسه، كما اختلطت الحكمة من الختان بفكرة تقليل الشهوة وكسرها.
وهنا ظهرت المأساة الحقيقية في هذه القضية.
فالفهم الخاطئ لعلة الختان وطريقته، قسّم المسلمين إلى فريقين متقابلين:
فالفريق الأول كان يظن أنه يدافع عن الشرع ويحمي البنات من الانحلال، والفريق الآخر كان يظن أنه يدافع عن الفطرة والمرأة وينزّه الدين عن صورة يراها مشوهة وقاسية، بينما ضاعت الحقيقة بين الفهم الخاطئ للعلة، والفهم الخاطئ لطريقة الختان نفسها.
ومع مرور الوقت، لم يبق هذا الخلاف مجرد نقاش فكري، بل تحوّل في بعض البيئات إلى خطاب ديني واجتماعي واسع أثّر بصورة كبيرة في نظرة الناس إلى القضية.
فقد انتشر عبر سنوات طويلة خطاب ديني حماسي يُصوّر الرافضين للختان وكأنهم يريدون فتح باب الانحلال أو إبعاد الناس عن أمر شرعي، وكان لهذا الخطاب أثر كبير في تشكيل قناعات كثير من الأسر، وللأسف ارتبط ذلك في الواقع أحيانًا بممارسات خاطئة ومؤذية.
وفي المقابل، اتجه كثير من الرافضين للختان إلى سؤال الأطباء والمتخصصين عن حقيقة الأمر من الناحية الطبية.
ومن خلال ما سمعته بنفسي على مدار سنوات من عدد من الأطباء – في مصر والسودان وغيرهما – كان الجواب المتكرر دائمًا تقريبًا:
“لا يوجد شيء اسمه ختان إناث في الطب أصلًا”، أو أن كل ما يُعرف بهذا الاسم لا يمكن أن يكون إلا نوعًا من التشويه أو الممارسات الفرعونية المؤذية.
لكن مع الاطلاع على الدراسات الحديثة والإجراءات الطبية المعروفة المتعلقة بغطاء البظر، مثل:
Clitoral Hood Reduction
و
Clitoral Adhesions
وغيرها،
تبيّن أن جانبًا من القضية كان موجودًا بالفعل في الحقل الطبي، وإن كان كثير من الناس – بل وحتى بعض المتخصصين – لا يعرفون عنه شيئًا.
وهذا في الحقيقة ليس عيبًا في حد ذاته، فالإنسان قد يجهل بعض التفاصيل حتى داخل مجاله، لكن الإشكال حين تتحول بعض التصورات القديمة إلى مسلمات يصعب مراجعتها أو إعادة النظر فيها.
ولعل بعض المشايخ والأطباء الذين اطّلعوا لاحقًا على هذه الجوانب الطبية والتشريحية، وأعادوا النظر في بعض التصورات القديمة، قد تغيّرت لديهم بالفعل بعض القناعات أو طريقة فهم المسألة.
لكن مثل هذه القضايا الحساسة، التي ارتبطت لسنوات طويلة بخطاب ديني واجتماعي وطبي متداخل، لا يكون من السهل دائمًا تغيير التصورات الشائعة حولها بسرعة، خصوصًا عند عامة الناس.
ولهذا بقي كثير من العوام يتعاملون مع الختان بنفس الصورة القديمة المتداولة، واستمر الخلط عند كثيرين بين الختان السُّني كما تصفه النصوص وكلام الفقهاء الأوائل، وبين الممارسات الخاطئة التي انتشرت في الواقع.
ولو أن الختان عُرض على الناس بصورته الصحيحة، وعلته الصحيحة، كما تدل عليها ألفاظ الحديث وكلام عدد من الفقهاء الأوائل، لما رفضه كثير من الناس أصلًا.
ثم جاءت الكارثة الأكبر:
وهي الخلط بين الختان السُّني وبين الختان الفرعوني.
فصار كثير من الناس يتعاملون مع كل الصور وكأنها شيء واحد، مع أن النصوص وكلام عدد من الفقهاء الأوائل تصف أمرًا مختلفًا تمامًا عن الممارسات الوحشية المعروفة بالختان الفرعوني.
ولهذا أرى أن الواجب اليوم على المشايخ وطلاب العلم والباحثين في هذه القضية، أن يعيدوا النظر فيها بعلم وتجرد ومسؤولية، وأن يبينوا للناس حقيقة الختان السُّني كما جاءت به النصوص وكلام الفقهاء الأوائل، لا كما استقر في بعض الأفهام المتأخرة.
فالقضية هنا ليست مجرد خلاف نظري أو جدل فقهي مجرد، بل تتعلق بأجساد بنات ونساء تُجرى عليهن هذه الممارسات باسم الشرع.
ولو كان الخطأ محصورًا في مجرد التعليل أو التفسير لكان الأمر أهون، لكن المصيبة حين يتحول الفهم الخاطئ إلى ممارسات تمس عضوًا شديد الحساسية والخطورة في جسد المرأة.
ولهذا فإن بيان الحقيقة في هذه المسألة أمانة عظيمة، لأن السكوت عن التصورات الخاطئة أو ترك الناس يخلطون بين الختان السُّني وبين صور التشويه المؤذية، قد يترتب عليه ضرر حقيقي ومستمر على كثير من الفتيات والنساء.
الخاتمة:
الآن يتضح لنا – من خلال ألفاظ الأحاديث نفسها – أن الختان السُّني لم يأتِ للإضرار بالمرأة، ولا لكسر شهوتها، ولا لحرمانها من حقها الفطري، بل جاء – كما بينا – لمنفعتها هي أولًا، ولمنفعة الحياة الزوجية عمومًا.
فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول:
«أحظى للمرأة، وأحب إلى البعل»
وهذا التعبير وحده كافٍ ليدل على معنى المنفعة، لا معنى الحرمان أو الإفساد.
ثم عندما ننظر إلى ما ذكره الفقهاء الأوائل، نجد أنهم كانوا يتحدثون عن أخذ الجلدة التي فوق البظر، لا عن قطع البظر نفسه.
وعندما ننظر إلى الدراسات والتجارب الطبية الحديثة، نجد أن كثيرًا منها يتحدث عن تحسن الاستجابة الجنسية عند الكثير من النساء بعد إزالة الغطاء الجلدي المحيط بالبظر، وتسهيل الوصول للذروة، وتحسين العلاقة الزوجية.
وهنا تتضح المفارقة المؤلمة:
فهمُنا الخاطئ لعلة الختان، ثم فهمُنا الخاطئ لطريقته، جعلا كثيرًا من الناس ينفرون منه أو يخلطون بين الشريعة وبين الممارسات الخاطئة التي نُسبت إليها عبر الزمن، مع أن الذي أراه هو العكس تمامًا.
فالختان السُّني – كما تصفه النصوص وكلام الفقهاء الأوائل – جاء لمنفعة المرأة والرجل معًا، ولتحسين استجابة المرأة في حياتها الزوجية، لا لتحطيمها أو إفسادها.
واللافت أن بعض الإجراءات الطبية الحديثة في الغرب تقوم على الفكرة التشريحية نفسها المتعلقة بتعديل الغطاء الجلدي المحيط بالبظر، وتُقدَّم هناك بوصفها وسائل لتحسين الاستجابة الجنسية أو تقليل الانزعاج أو تحسين النظافة والراحة عند بعض الحالات.
فيا ليت المسلمين يعودون إلى الفهم الصحيح للنصوص، ويفرقون بين الختان السُّني كما جاء في النصوص وكلام الفقهاء الأوائل، وبين التشويه الوحشي الذي لا يمت إلى الشريعة بصلة.
وفي تقديري، فإن المشكلة هنا لم تكن في مقصد الحديث كما فُهم من ألفاظه عند عدد من الفقهاء الأوائل، وإنما في الطريقة التي فُهم وطُبّق بها عند كثير من المتأخرين.
والمقصود من هذا الطرح فتح باب إعادة النظر والتأمل في هذه القضية الحساسة على ضوء النصوص والواقع الطبي، لا ادعاء حسم كل جوانبها بصورة نهائية.
سيد السقا
تنويه:
كُتبت هذه الفكرة أول مرة كمقال عام 2008، ثم توسعت لاحقًا في كتاب، وما ورد هنا ليس إلا مختصرًا لذلك الطرح.




