*بين (الكينزية) و (النيوليبرالية) والاقتصاد الإسلامي: قراءة في ردود نقدية. بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم ابراهيم*

تلقيت عددا من الردود الجادة على مقالي المنشور في صفحتي بعنوان: (لماذا لا أكون (نيوليبراليا) اقتصاديا؟)، وقد جاءت أبرز هذه المداخلات من الصديق الأستاذ عمر سيد أحمد، المصرفي والكاتب الاقتصادي والصديق الأستاذ خضر الأمين، المتخصص في الشمول المالى علما وممارسة.

يرى الأستاذ عمر أن فكرة عدم تدخل الدولة في الاقتصاد فكرة نبيلة من حيث المبدأ، لكنها تعثرت عمليا في كثير من التجارب بسبب ضعف الشفافية وغياب الكفاءة المؤسسية. ومع ذلك، فإن تدخل الدولة في الاقتصاد ليس تجربة فاشلة بالمطلق، إذ توجد نماذج ناجحة اعتمدت على المزج بين دور الدولة والقطاع الخاص. وفي المقابل، فإن القطاع الخاص نفسه قادر على تقديم تجارب ناجحة متى ما توفرت له بيئة ملائمة من الشفافية والحوكمة والاستقرار المؤسسي. وفي هذا السياق، أعود إلى العبارة التي ختمت بها مقالي السابق:

(أنا على الأرجح لست ليبراليا اقتصاديا بل اقتصاديا كينزيا (وأضيف: مع وقف التنفيذ).

وانطلاقا من ذلك، أميل إلى تفضيل التدخل الحكومي على الانفتاح الكامل، باعتباره أكثر قدرة على ضبط السوق والحد من الاستغلال وارتفاع الأسعار. غير أنني لا أجزم بنجاح هذا الخيار في سياق مثل السودان، في ظل ما تعانيه الإدارة الحكومية حاليا من ضعف مؤسسي وتحديات في الكفاءة والتنفيذ بعد أن تراجع دوره على مدى عقود نتيجة سياسات التحرير الاقتصادي التي أدت إلى إضعافه.

وفي المقابل، لا يمكن إغفال إشكالات القطاع الخاص، إذ قد تحد محدودية إمكانياته من قدرته على لعب دور تنموي فعال اليوم، كما قد يتحول في بعض الحالات إلى قطاع طفيلي يعتمد على الدعم، ويحقق أرباحًا مبالغا فيها دون مساهمة إنتاجية حقيقية كبيره. لذلك، فإن موقفي يظل مترددا بين الخيارين، مع ميل واضح إلى البحث عن توازن عملي بين دور الدولة والسوق حاليا، وتغليب دور القطاع العام بعد إصلاحه وتعزيزه. في المستقبل، ينبغي اعادة تعزيز كفاءة الإدارة الحكومية لتصبح قادرة على قيادة وتوجيه الاقتصاد بفاعلية، مع وضع أطر قانونية وتنظيمية تضبط دور القطاع الخاص. وفي الوقت نفسه، يجب العمل على تمكين القطاع الخاص ماليا وإداريا ليصبح شريكا حقيقيا في التنمية، لا مجرد متلقٍ للدعم أو منفذ غير منضبط للنشاط الاقتصادي. أنا اقتصادي (براغماتي)، اطمح في الوصول الى النتائج باى فكر او افكار مجتمعه، و أقيم السياسات الاقتصادية بمدى قدرتها على تحقيق النتائج العملية على الأرض، وأمنح الأولوية لتحسين الآليات والأدوات والسياسات على حساب التمسك الصارم بالنماذج والقوالب الفكرية الجاهزة. من هذا المنطلق، أتعامل مع السياسات الاقتصادية باعتبارها منظومة آليات قابلة للتطوير المستمر، وليس كمنظومة فكرية مكتملة ونهائية. فنجاح أي سياسة لا يقاس بمدى اتساقها النظري مع مدرسة اقتصادية معينة، بل بمدى فاعليتها في معالجة المشكلات الفعلية التي يواجهها الاقتصاد. لذلك، أرى أن الأولوية يجب أن تعطى لتحسين الأدوات المؤسسية والتنظيمية، مثل كفاءة الإدارة الحكومية، وشفافية وتنافسية الأسواق، ووجودة التشريعات المحكمة، وقدرة الدولة على الضبط والرقابة، إلى جانب تمكين القطاع الخاص وتطوير قدراته المالية والإدارية. فهذه العناصر العملية هي التي تحدد في النهاية نتائج السياسات، أكثر من الالتزام الحرفي بأي إطار فكري. وبناءً على ذلك، ومع ميلي ان يكون للقطاع العام الدور القيادى، موقفي يميل إلى المرونة الفكرية والانفتاح على مختلف المدارس الاقتصادية، سواء كانت (كينزية) أو (ليبرالية) أو غيرها، مع التعامل معها كوسائل لا كغايات. فالفكر الاقتصادي في تصوري ليس هو الهدف، بل وسيلة لفهم الواقع وتحسينه، مع قابلية دائمة للمراجعة والتعديل كلما تغيرت الظروف وتطورت المعطيات.

وفي ردٍ آخر بعنوان: (لماذا الاقتصاد الإسلامي؟)، يرى الأستاذ خضر الأمين أن الاقتصاد الإسلامي يقدم ّ نموذج شمولي يتجاوز قصور كل من النيوليبرالية التي تفضي إلى فوضى السوق، والكينزية التي تعتمد على التوسع في العجز والدين العام. فهو لا يقتصر على الجانب المالي أو المصرفي، بل يربط بين النشاط المالي والاقتصاد الحقيقي، ويحد من تضخم الاقتصاد الورقي والاكتناز، عبر ضوابط أخلاقية وتشريعية تنظم حركة المال. كما يعتمد هذا التصور على بدائل لنظام الديون التقليدي، ويحد من الاحتكار والمضاربات غير الحقيقية، ويوجه رأس المال نحو النشاط الإنتاجي الفعلي بدلًا من الفوائد والمضاربات. ويبرز كذلك دور أدوات إعادة التوزيع مثل الزكاة والوقف في تحقيق العدالة الاجتماعية وتقليل تركز الثروة، إلى جانب دعم المشاريع الصغيرة وتمكين الفئات المنتجة دون الاعتماد على الفوائد الربوية. وفي النهاية، يؤكد الأستاذ الأمين أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الفكرة ذاتها، بل في صعوبة التطبيق المتكامل لهذا النموذج على أرض الواقع.

ومن جهتي، لست في موقف رفضٍ لفكرة الاقتصاد الإسلامي من حيث المبدأ بل أراه الأمثل مقارنة بالنظم الأخرى، لكن الواقع يشير إلى أن بناء نظام اقتصادي إسلامي متكامل لم يتحقق حتى الآن، رغم الدعوات إليه منذ ستينيات القرن الماضي. ففي كتابه الشهير (اقتصادنا) الصادر عام 1961، طرح محمد باقر الصدر رؤية تؤكد أن للإسلام مذهبا اقتصاديا مستقلا، يختلف عن الرأسمالية والاشتراكية، وينطلق من منظومة قيم وتشريعات تحقق التوازن بين حرية الفرد والعدالة الاجتماعية. وقد وجه الصدر نقدا للرأسمالية بسبب تركز الثروة واتساع الفجوات الاجتماعية، كما انتقد الاشتراكية لتقييدها الملكية الفردية وإضعافها لحوافز الإنتاج. وفي المقابل، طرح نموذجا اقتصاديا إسلاميا يعترف بالملكية الخاصة إلى جانب الملكية العامة وملكية الدولة، مع إخضاع النشاط الاقتصادي لضوابط أخلاقية وتشريعية تمنع الاحتكار والاستغلال والربا. كما أثار الصدر مسألة جوهرية تتعلق بأن المشكلة الاقتصادية لا تقتصر على ندرة الموارد أو زيادة الإنتاج، بل تمتد إلى كيفية توزيع الثروة والدخل بشكل عادل يحقق العدالة الاجتماعية، من خلال أدوات مثل الزكاة والخمس والتكافل الاجتماعي.

وعلى الرغم من نبل هذه الفكرة، فإن الاقتصاد الإسلامي الكامل لم يطبق حتى اليوم في أي دولة بصورة شاملة. إذ ظل التطبيق جزئيا يتركز في الصيرفة الإسلامية (التي أعتقد أنها لم يتم استيعابها بطريقة مكتملة وبالتالي تطبيقها على الوجه الأمثل حتى الآن)، دون امتداد إلى السياسات المالية والنقدية وآليات توزيع الثروة ودور الدولة في الاقتصاد. كما أن هيمنة النظام الرأسمالي العالمي، وغياب مرونة الاجتهادات الفقهية، وتعقيدات الاقتصاد الحديث، كلها عوامل جعلت من الانتقال إلى نموذج متكامل أمرا شديد الصعوبة. لذلك، اقتصر التطبيق في معظم الدول على جوانب محدودة، دون استكمال بقية عناصر المنظومة الاقتصادية. ومع ذلك، فإن غياب التطبيق الكامل لا يعني بالضرورة فشل الفكرة، بل يعكس حجم التحديات السياسية والمؤسسية والفكرية التي حالت دون تحويلها من إطار نظري إلى تجربة عملية شاملة. خلاصة القول، (براغماتيتي) تقودني إلى الميل نحو تفضيل النموذج الاقتصادي الإسلامي إذا اكتمل بناؤه وتطبيقه بصورة متكاملة. غير أن واقع التطبيق الحالي لا يتيح ذلك، مما يفرض التعامل مع البدائل المتاحة والعمل ضمنها إلى أن يتحقق ذلك أو يتغير الواقع. وفي الوقت نفسه، فإن إدارة المرحلة الانتقالية تتطلب مرونة فكرية توازن بين المبادئ والاصلاح المؤسسي والطاقة الاستيعابية للمؤسسات والاقتصاد.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole