________________
صوت ناي حزين يتلاشى، ثم دويّ طبول بعيدة، وكأنّها خطوات جيش عائد من المعركة…
شاشة سوداء، يطل عليها وجهٌ شيخٍ شامخٍ مضيءٌ كالقمر، ثمّ يذوب في نورٍ أبيض.
أما بعدُ
أيّها السامرون في ديار الذكرى، والمصغون إلى نبض التاريخ كما يصغي العطشان إلى خشخشة الماء…
إن في سِفر الأمم لَرجالاً ليسوا بأجسادٍ تمشي، بل هم معانٍ تتجسد، وأضواء لا تغرب، وقناديل تضيء مضيق الدهور.
لا تحدّهم تراب الجغرافيا أو التاريخ، لأنهم عاشوا للروح لا للطين، وللحرية لا للقيد، فماتوا كي تحيا الأمّة، واغتربوا كي تستوطن الكرامة.
وفي طليعة هؤلاء الفلكيين، يبرز الشريف حسين الهندي، طيّب الله ثراه، رجلا جمع بين براعة السياسيّ ووعي الفقيه، وشجاعة الفارس ثم اناة الحكيم.
لقد كان للدراهم حافظا، وللعرض صائناً، وللقرار حامياً.
ففي ميدان الاقتصاد والسيادة الوطنية، جعل العملة مراة تعكس صورة العز لا الذلّ، حيث قال بفصاحة الحكماء ،من راهن على لقمة الأجانب، فقد راهن على ضيعة المكانة، ومن باع خبزه اشترى هوانه
لقد كان فائض الميزانية أعلى من كل خطبة، والعملة أقوى من كل تهديد، جاعلاً من الجنيه السوداني رمزا للكرامة لا أداةً للتبعية، ساداً بذلك أبواب الجوع عن بيوت الفقراء بحكمةٍ تدير الندرة ولا تبيع السيادة…
أما رؤيته القومية والجسر الحضاري، فلم يكن سودانه جزءاً من خريطة تُقرأ، بل كان جسرا تمتد قواعده في أعماق أفريقيا، ثم تعلو أبراجه في سماء العروبة.
آمن بأن التلاقح الحضاري سرّ القوّة، والتنوّع الإنساني قمة الغنى، فكان في المحافل خطيباً يهدّ أركان التعصّب، ويبني من الألوان جيشا واحداً، مؤكداً أن السودان ليس هامشاً في كتاب الأمّة، بل هو قلبها النابض وعقلها المفكّر.
ولمّا سُدت عليه أبواب السلم، وأُغلقت دوائر الحوار، وأطبقت عليه ظلمة السجون وقيّدت حريته في وطنه،
لم يركعْ ولم يستسلم، بل اختار المنفى ميدانا، والغربة خندقاً. وهنا، في ذروة تحدّيه، أعلن رؤيته الديمقراطية العميقة التي لم تكن يوما مجرّد شعارات، بل منهج حياةٍ وميثاق كرامة، حين قال بكبرياء العظماء نموت وناكل أصابعنا
ولا نأكل قضايانا الوطنية..
بهذه الكلمات رسم حدّا فاصلا بين من يتعاطون السياسة كتجارة، ومن يعيشونها كرسالة؛
فهو يعلن أنّ الجوع الماديّ أهون من جوع الضمير، وأنّ التضحية بالخبز خيرٌ من التضحية بالمبادئ.
لم يرَ الديمقراطية مجرد صناديقَ اقتراعٍ وأغلبيةَ أرقامٍ فحسب، بل رآها كرامة لا تمس، وقرارا لا يُستباح، ووطناً لا يُباع.
لقد كان من فلسفته التضحوية أن يقول للشباب ان في معركة العزّ، الناس ثلاثة ,,سابق إلى الموت الأبهى، ومواجه للطغيان بصدر الأبا، وشاهد للحقّ بدم الفدى
رحل الشريف، لكنّ النيل لم ينقطع عن جريانه، والذكرى لم تتحجّر بمرّ الزمان. بل هو اليوم أحيا ممّا كان،
فهو كلمة في الأفواه، وحلماً في عيون الأحرار، ومشعل هدىً يقتدي به كلّ من حلّق فوق العناء…
أيّها السامعون،
يا ورثة المجد والتاريخ…
أليس العجب أن يموت الرجال، وتظل خطواتهم تدوي في صدر الزمان؟!
أليس من الغريب أن تطوى الجثث في أكفانها، ثم تظل الكلمات التي نطقوا بها تضرب على أوتار الضمير كالرعود القاصفة؟!
ها هو الشريف حسين الهندي يطل علينا اليوم من كوة الخلود،
ليس كاسمٍ في سفر منسيّ، بل كقبسٍ يتوهج في سواد الليل،
كصخرةٍ تكسر أمواج اليأس.
إنّ ذكراه ليست تأبيناً، بل هي بيعة جديدة على ألا نرضى بالدون، وألاّ ننام عن حق، وألا نتراجع عن وعدٍ.
هي صرخة في وجه الجبابرة بأنّ الأفكار لا تغتال، وأنّ دماء الشهداء تروي غداً أكثر إشراقاً.
فلتنطلق صرختنا اليوم كما انطلقت صرخته…
لا للتبعيّة… نعم للعزّة.
لا للانكسار… نعم للجسر.
لا للنسيان… نعم للذكرى التي لا تموت.
رَحَل الهنديّ، لكن في ضُلوع الورى
بَقِيَتْ سيرتُه عِطراً تَهُزُّ الأنجُما




