*أسامة داؤود والصناعة السودانية.. هل يخسر الوطن مستثمريه؟ بقلم: بكري خليفة*

قد يختلف الناس حول رجل الأعمال السوداني أسامة داؤود، لكن ذلك لا ينفي أنه أحد أبرز المستثمرين الذين تركوا بصمة واضحة في القطاع الصناعي السوداني. فقد فرضت منتجاته حضورها في الأسواق على مدى سنوات، ليس بالدعاية، وإنما بالجودة التي جعلت المستهلك يثق بها.
ولعل المفارقة أن كثيرًا من السودانيين لم يدركوا قيمة تلك المنتجات إلا بعد أن توقفت المصانع بسبب الحرب، وامتلأت الأسواق بمنتجات مستوردة من دول الجوار. وخلال سنوات النزوح إلى السعودية ومصر والإمارات وليبيا وأوغندا وتشاد وإثيوبيا وغيرها، وجد السودانيون أنفسهم يقارنون بين ما اعتادوا عليه من منتجات وطنية وما توفر في تلك الأسواق، فاستعادوا بحنين أسماءً مثل زبادي كابو وشعيرية نوبو وغيرها من المنتجات السودانية التي ارتبطت بالجودة.
وفي خضم الجدل الدائر حول أسامة داؤود، جاءت مداخلة الكاتب الصحفي الطاهر ساتي لتلفت الانتباه إلى قضية أكبر من الأشخاص، وهي أهمية حماية الاستثمار الوطني والابتعاد عن المزايدات التي قد تدفع المستثمرين إلى مغادرة البلاد. كما دعا إلى أن يكون الحوار مع رجال الأعمال جزءًا من نهج الدولة في معالجة تحديات الاقتصاد، وهو طرح يستحق التوقف عنده.
لقد تكبد القطاع الصناعي خسائر فادحة بسبب الحرب، ولم يكن أسامة داؤود بمنأى عنها. ومع ذلك، فإن أي عودة لمصانعه إلى الإنتاج تعني عودة آلاف فرص العمل للسودانيين، واستعادة جزء مهم من النشاط الاقتصادي الذي يحتاجه السودان في هذه المرحلة.
والحقيقة أن معاناة المستثمر السوداني لم تبدأ مع الحرب، بل سبقتها سنوات طويلة من التقلبات الاقتصادية، وارتفاع أسعار العملات الأجنبية، وتعدد الرسوم والجبايات، في وقت تعتمد فيه معظم مدخلات الإنتاج على الاستيراد. ورغم هذه التحديات، واصل كثير من رجال الأعمال العمل داخل السودان، بينما اضطر آخرون إلى نقل استثماراتهم إلى دول وفرت بيئة أكثر استقرارًا.
إن نهضة الاقتصاد السوداني لن تتحقق دون بيئة استثمارية جاذبة تحمي المستثمر الوطني، وتمنحه الثقة في المستقبل. فالمصانع لا تنتج السلع فحسب، بل توفر فرص العمل، وتدعم الاقتصاد، وتسهم في تحقيق الأمن الغذائي والصناعي.
لقد أثبتت الحرب، على قسوتها، أن الصناعة الوطنية ليست ترفًا، بل ضرورة. وربما كانت أفضل رسالة خرج بها السودانيون من تجربة النزوح هي إدراك قيمة المنتج المحلي عندما غاب عن رفوف الأسواق.
ويبقى السؤال: هل تستفيد الدولة من هذا الدرس، فتعمل على حماية المستثمر الوطني وتشجيعه، أم يستمر نزيف رؤوس الأموال إلى الخارج بينما ينتظر الاقتصاد من يعيد إليه الحياة؟

مقالات ذات صلة