لم تكن الحرب التي شهدها السودان مجرد مواجهة عسكرية، بل امتدت آثارها إلى مختلف القطاعات الحيوية، وكان التعليم العالي من أكثرها تضرراً، بعدما تعرضت الجامعات ومجمعات السكن الطلابي لأعمال تدمير ونهب واسعة، خاصة في ولايات الخرطوم ودارفور وبعض ولايات كردفان. ومع انحسار رقعة الحرب وبدء مرحلة التعافي، برز الصندوق القومي لرعاية الطلاب باعتباره أحد أهم المؤسسات التي تقود معركة إعادة بناء البيئة الجامعية، واضعاً ملف تأهيل الداخليات في مقدمة أولوياته باعتباره المدخل الحقيقي لاستعادة الدراسة الحضورية وعودة الجامعات إلى مقارها الأصلية.
ويمثل مشروع إعادة تأهيل مجمعات السكن الطلابي مشروعا طموحا لإحياء الحياة الجامعية بكل تفاصيلها من سكن وملاعب وكافتيريات ومكتبات ..الخ، واستعادة الاستقرار الأكاديمي. فالداخلية ليست مكاناً للإقامة فحسب، بل هي جزء أصيل من المنظومة التعليمية، وتوفر البيئة المناسبة التي تمكن آلاف الطلاب من مواصلة دراستهم، خاصة القادمين من الولايات البعيدة.
وجاء إعلان رئيس مجلس الوزراء، البروفيسور كامل إدريس، انطلاق المرحلة السادسة من مشروع تأهيل مجمعات السكن الطلابي ليؤكد أن الدولة تنظر إلى إعادة إعمار مؤسسات التعليم العالي باعتبارها معركة وطنية موازية لمعركة استعادة الأرض، مشدداً على أن بناء الجامعات وإعادة تأهيل الداخليات يمثلان استثماراً في مستقبل السودان وفي أهم موارده، وهو الإنسان.
وخلال افتتاح المرحلة الثانية من مشروع تأهيل مجمعات الصندوق بولاية الخرطوم، أكد رئيس الوزراء أن ما تحقق يمثل “مشاهد تاريخية عظيمة” تجسد إرادة البناء والإعمار، ورسالة واضحة بأن الحياة بدأت تعود إلى طبيعتها، وأن العاصمة الخرطوم تستعيد عافيتها تدريجياً. كما وصف المجمعات السكنية بأنها منارات للعلم والمعرفة، مؤكداً استمرار دعم الدولة لهذه المشروعات حتى تستعيد الجامعات كامل نشاطها.
وفي هذا السياق، يبرز الدور المحوري للصندوق القومي لرعاية الطلاب، الذي استطاع، بالتعاون مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، تنفيذ مراحل متقدمة من إعادة تأهيل البنية التحتية للمدن الجامعية، رغم حجم الدمار الذي خلفته الحرب. ولم يقتصر دوره على ترميم المباني، بل شمل إعادة الخدمات الأساسية، وتهيئة بيئة آمنة ومستقرة للطلاب، بما يضمن استئناف الدراسة في ظروف مناسبة.
وأكد وزير التعليم العالي والبحث العلمي، البروفيسور أحمد محمد موسى، أن جهود الصندوق أسهمت بصورة مباشرة في استقرار العملية التعليمية، مشيراً إلى أن إعادة تأهيل الداخليات تمثل ركناً أساسياً في خطة الوزارة لإعادة الجامعات إلى مقارها الأصلية، وإنهاء الاعتماد على المراكز المؤقتة التي فرضتها ظروف الحرب.
وتكشف الأرقام حجم الإنجاز الذي تحقق؛ إذ أعلن الأمين العام للصندوق، الدكتور أحمد حمزة، أن المرحلتين الأولى والثانية من المشروع وفرتا السكن لنحو 79,400 طالب وطالبة، من خلال إعادة تشغيل سبعة مجمعات سكنية تخدم جامعات ولاية الخرطوم. ويعد هذا الرقم مؤشراً واضحاً على قدرة الصندوق على استعادة جزء كبير من الطاقة الاستيعابية للمدن الجامعية في فترة وجيزة.
كما تمثل المرحلة الثالثة، التي انطلقت برعاية مباشرة من رئيس مجلس الوزراء، محطة جديدة في مسار إعادة الإعمار، إذ تستهدف استكمال تأهيل بقية المجمعات السكنية، بما ينسجم مع توجهات الحكومة لإغلاق المراكز الخارجية وإعادة النشاط الأكاديمي إلى الجامعات في مواقعها الطبيعية.
لقد أثبت الصندوق القومي لرعاية الطلاب أن رعاية الطالب لا تقتصر على تقديم الخدمات اليومية والكفالة وغيرها ، وإنما تمتد إلى قيادة واحدة من أكبر عمليات إعادة الإعمار في قطاع التعليم العالي بعد الحرب. ومن خلال إعادة بناء الداخليات، أسهم الصندوق في توفير البيئة التي يحتاجها الطلاب لاستكمال مسيرتهم الأكاديمية، ورسخ قناعة بأن استقرار السكن الطلابي هو الخطوة الأولى نحو استقرار الجامعات، وأن إعادة بناء الإنسان تبدأ بإعادة بناء مؤسسات التعليم التي تصنع مستقبله.
وفي ظل استمرار جهود الإعمار، تبدو تجربة الصندوق القومي لرعاية الطلاب نموذجاً وطنياً يجسد قدرة المؤسسات السودانية على تجاوز آثار الحرب، وتحويل التحديات إلى فرص، بما يعيد الأمل إلى عشرات الآلاف من الطلاب، ويمهد الطريق لعودة المسيرة التعليمية إلى طبيعتها، باعتبارها أحد أهم مرتكزات بناء السودان في مرحلة ما بعد الحرب.




