لم يكن الرقم الذي كشف عنه استشاري الطب النفسي في اجتماع وزارة الصحة الأخير مجرد إحصائية عابرة مرّت في جدول الأعمال؛ فتسجيل 389 حالة إدمان في مستشفى بورتسودان وحدها خلال سبعة أشهر، ليس سوى رأس جبل الجليد لما يتوارى خلف أبواب بيوتنا وفي أزقة مدننا. إنها قراءة أولية في واقع أكبر وأشد تعقيداً يمتد أثره إلى كافة الولايات، ويضع الجميع أمام مرآة الحقيقة بغير تجميل.
عندما تصبح الفئة العمرية الأكثر تضرراً هي الشباب بين (20 و30 عاماً) – وهي القوة الضاربة والعمود الفقري لمستقبل البلاد – وعندما تتسلل هذه الظاهرة إلى الإناث بنسب متزايدة، وتتنوع سمومها بين “الآيس” والحشيش والهيروين، فهذا يعني أننا لا نواجه مجرد عرض صحي طارئ، بل تهديداً مباشراً لبنية المجتمع والسلم الاجتماعي، واستهدافاً صريحاً لعقول وأفئدة أجيالنا.
وحديث الدكتور هيثم محمد إبراهيم، وزير الصحة المكلف، حول جعل ملف المخدرات أولوية وطنية تُطرح بصفة ثابتة على طاولة مجلس الوزراء، يضع النقاط على الحروف ويرفع درجة التأهب الرسمي. غير أن العبرة دائماً بالخواتيم؛ فالإرادة السياسية المحمودة لا بد لها من أذرع تنفيذية تترجم التصريحات إلى واقع ملموس.
وقيام الوزارة بتشكيل لجنة عليا لمكافحة المخدرات وعلاج الادمان والتي أشرف بعضويتها هو بداية الطريق الصحيح لكن الاختبار الحقيقي للجنة العليا لا يكمن في تنظيم الورش أو صياغة التوصيات – رغم أهميتها كإطار نظري – بل في السرعة والصرامة التي سيتم بها تحويل فكرة “المركز القومي المرجعي والمستشفى المتخصص” في علاج الادمان من ورق الاجتماعات إلى واقع ميداني. إن مراكز العلاج والتأهيل في الولايات تعاني ضعفاً بائناً في البنية التحتية والكوادر، والاستمرار في الاعتماد على الحلول الترقيعية لم يعد خياراً مطروحاً.
يجب أن تقوم مواجهة غول المخدرات على ثلاثية المواجهة: القانون، المؤسسة الأكاديمية، والشراكة المجتمعية، فالعلاج وحده – مهما بلغت جودته – لن يحل المشكلة طالما بقيت شبكات الترويج تفتح منافذها بلا رادع, وهنا تتجلى ضرورة تغليظ العقوبات وتفعيل النصوص القانونية الحاسمة، وصولاً إلى عقوبة الإعدام بحق المروجين وفقاً للقانون؛ فمن يتاجر بعقول الشباب ويغتال حاضرهم ومستقبلهم لا يقل خطورة، بأي حال من الأحوال، عمن يحمل السلاح في وجوههم.
وفي المقابل، يستوجب الملف تحركاً أعمق من المؤسسات التعليمية؛ فدور وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لا ينبغي أن يتوقف عند حدود “التوعية التقليدية” والملصقات الإرشادية. الجامعات هي البيئة الخصبة للشباب، وتحصينها يتطلب:
تفعيل إدارات الإرشاد النفسي والاجتماعي بشكل حقيقي لا صوري.
تأسيس مراكز استشارات ودعم نفسي مصغرة داخل الكليات كسرًا لحاجز الخوف والخجل.
إطلاق حملات إعلامية وثقافية شجاعة تفكك “ثقافة التهاون” مع التعاطي وتقتلعها من جذورها.
كما أن صياغة سياسات موحدة وتحديد احتياجات التدريب للكوادر الوطنية يتطلب شراكة حقيقية مع القطاع الخاص، الذي ينبغي أن ينهض بمسؤوليته المجتمعية لدعم إنشاء المرافق العلاجية وتمويل برامج إعادة التأهيل والدمج المجتمعي للمتعافين.
إن أزمة المخدرات اليوم ليست قضية وزارة الصحة بمفردها، ولا هي شأن أمني بحت، بل هي قضية متكاملة تتداخل فيها الصحة والأمن والقضاء والتعليم والإعلام. وإدارة هذا الملف بالقطعة أو بروح المبادرات الفردية المنعزلة لن يقود إلا إلى استنزاف الجهود بينما تستمر أرقام الإدمان في التصاعد.
ختاماً، المواجهة تتطلب منظومة متكاملة؛ تبدأ من الأسرة التي عليها أن تستعيد دورها الرقابي والتأهيلي بالوعي لا بالقسوة، مروراً بالمؤسسة الدينية والتعليمية والأمنية ، وصولاً إلى التشريعات الرادعة والخدمات الطبية المتقدمة. لقد دقّت بورتسودان ناقوس الخطر بوضوح لا يترك مجالاً للتجاهل.. فهل نملك شجاعة المواجهة الشاملة والمضي قدما نحو اجتثاث الداء من جذوره قبل فوات الأوان؟




