الغابة والصحراء هي حركة شعرية ثقافية من أبرز تيارات الحداثة الأدبية تأسست كرابطة ثقافية في جامعة الخرطوم عام 1962 رأت في مفهوم التمازج الافريقي العربي الذي رمزت له بالغابة والصحراء كخطاب لمسألة الهوية السودانية على مستوى التنظير أو التطبيق.. وضمت حينها بعض طلاب الجامعة وخريجيها وفي طليعتهم النور عثمان أبكر، محمد المكي إبراهيم، محمد عبدالحي، يوسف عيدابي، عبد الله شابو، كما ينتمي إليها إسحق إبراهيم إسحق، على المك، مصطفى سند وصلاح أحمد إبراهيم
تقوم فكرة مدرسة الغابة والصحراء على انتماء الشعر السوداني إلى التمازج العربي الإفريقي وغايتها تكوين إتجاه في الأدب السوداني يدعو للبحث عن الكيان القومي والثقافة والهوية السودانية..
توزع شعراء مدرسة الغابة والصحراء بين الرمزين فهناك من يقدم الغابة على الصحراء ويرى فيها أصل الثقافة السودانية كما هو الحال عند صلاح أحمد إبراهيم. وهناك من يرتفع بالصوت الإفريقي عالياً لتهميش العنصر العربي، وخير مثال لذلك هو الشاعر النور عثمان أبكر (مولود الغابة والصحراء من هذا الطافر كالجبل الأسمر كمنارة ساحلنا الأزرق). أما حالات التوفيق بين الإثنين فتتمثل في تجربة محمد المكي إبراهيم (أتلمس في الأدغال وفي الصحراء البهو معالمها أتلمس لا ألقى إلا حبات مسابحكم)..
ففي قصيدة «الغابة» يقول مصطفى سند:
في غرابة الملامح وعندما سجنتُ في رواق الليل
كانت الطبول والخمور والذبائح
وأخذ محمد المكي إبراهيم موقف الوسط الهجين فيقول في قصيدة بعض الرحيق أنا والبرتقالة أنت:
للَّه يا خلاسية
يا حانةً مفروشة بالرمل
يا مكحولة العينين يا مجدولة من شعر أغنية
يا وردةً باللون مسقية
يا مملوءة الساقين أطفالا خلاسيين
يا بعض زنجيّة يا بعض عربيّة وبعض أقوالي أمام اللَّه
ويقول صلاح أحمد إبراهيم في مقطع من قصيدته الجميلة (يا مريا):
أنا من افريقيا.. صحرائها الكبرى وخط الاستواء
شحنتني بالحرارات الشموس
وشوتني كالقرابين على نار المجوس
لفحتني فأنا منها كعود الأبنوس
ويشير النور عثمان ابكر في قصيدة (صحو الكلمات المنسية) الى البعث الحضاري للحضارات السودانية القديمة ومملكة سنار الإسلامية الهوية تشكل النواة الأولى للسودان المعاصر:
من كاهن هذا المعبد أوصده في وجه العابر والساعي؟
غرت على سنار رفعت ندائي غضبى أشهر من مصباح اللؤلؤ
خزيت أرحام الموتى شبعاً، عافية
راحة بال ووساد حتى يرفع إنسان رأسه يرعب
يجرف اطمئنان الموت على «مروي»
في حقبة الستينيات صارت الافريقانية معنًى دائراً في الشعر السوداني.. يتخطفه الشعراء حيناً.. ويحوله كتاب القصة إلى مغزى عميقٍ عن الصراع الحضاري وجدل الهوية (موسم الهجرة الى الشمال.. الطيب صالح) انموذجا..(كانت عكسي تحن الى مناخات استوائية وشموس قاسية وافاق ارجوانية.. وانا جنوب يحن الى الشمال و الصقيع)
تميز شعراء الغابة والصحراء في كتاباتهم عن مفهوم الحب والمرأة وجماليات المرأة السودانية فهي عندهم امرأة بمواصفات هجين كما استخدموا الصور والرموز النابعة من الثقافة السودانية كالسروال والسيف وعلبة التنباك (التبغ السوداني) وشجر الصبار والماورائيات وارواح الاجداد.. يقول النور عثمان أبكر في قصيدة (سيرة ذاتية):
شيخ هدّه التجواب تحكي عينيه الأسفار
تأملني وناداني
تفرس راحتي حينا وباركني وعوّذ لي من الريح الخبيث
ومن عيون الناس وقال جبيني الخلاق أفلاك، فراشات، شذى أعراس
وقلبي وافر الإحساس
تأملني يباركني ويهديني دروب الشمس
وقال محمد عبد الحي في قصيدة العودة إلى سنار:
الليلة يستقبلني أهلي
أرواح جدودي تخرج من فضة أحلام النهر
ومن ليل الأسماء تتقمص أجساد الأطفال
تنفخ في رئة المداح وتضرب بالساعد عبر ذراع الطبال
ومن مميزات شعر هذه المدرسة الابتعاد عن التعقيد اللغوي والغموض وأن للأدب رسالة يمكن توصيلها إلى متلقيها بصورة واضحة ومباشرة، ولذلك نجد أن شعر محمد المكي إبراهيم وصلاح أحمد إبراهيم يتسم بالتقريرية. وفي المقابل نجد أشعار مصطفى سند والنور عثمان أبكر ومحمد عبد الحي تتسم بالغموض والفنتازيات فجاءت رنانة وقوية…
اتجاه مدرسة الغابة والصحراء ساهم في رفد حركة الشعر الحديث في السودان والدعوة للتجديد من خلال ما سماه النور عثمان أبكر الشعر الحضاري، كما أنه استطاع أن يفجر في الوجدان الجمعي عنصر المكان وأتاحة الفرصة للتعرف على الثقافة الإفريقية من خلال البحث عن الأصول…
ويرى الكاتب السوداني عبد الله علي إبراهيم Abdullahi Ibrahim شعراء الغابة والصحراء بأنهم كانوا جيلاً مفعماً باليسارية السمحة اختلطت عندهم الممارسة بالتنظير بمعنى إنهم كانوا يساريين رومانسيين لا واقعيين ويرفض الفكرة التي تستند عليها المدرسة والطرح الذي تتبناه لأن موضوع الهوية في نظره هو أكثر من مجرد معادلة ثقافية رائعة وجميلة معترفا بقيمة المدرسة الأدبية العالية..وينابيعها الثقافية والنظرية والمعرفية..
في سياق ٱخر يرى الكاتب والباحث غسان علي عثمان في كتابه (الهوية السودانية.. تفكيك المقولات الفاسدة) انه من البؤس الاحتفاء الزائد باللون والجسد لتعريف الهوية رغم التطورات التي لحقت بالعلوم الاجتماعية والسياسات العالمية والاحتكام بالجبر إلى فكرة مركزية الثقافة والهوية ودخول الفلسفة التحليلية ونظرياتها المتعددة وتمددها داخل العلوم الإنسانية.. ويشير ان الخيبة تتسرب إلينا بسبب التقوقع خلف أدبيات الستينيات وأوهامها المتعاظمة، كالقول بضرورة اعتراف طرف ما بعروبتنا وأفريقيتنا، و أن ثمة غياب فعلي لدرس المعرفة الاجتماعية عند رواد مدرسة الغابة والصحراء، فهم يستخدمون قياساً زائفاً مشكلته الأساسية أنه غير أصيل، وبل واندفاعي تتملكه ذاتية طاغية وان إفريقيتنا (جغرافيا) لا أكثر.. رغم ثقافاتها المتعددة لم تغمر حوانيت معرفتنا ببضاعتها، والجمع بينها وبين اللغة والدين مكلف و تعسفي..
بعض اصحاب هذه المدرسة حاكا نموذج الآفروعربية (الخلاسيون) لصالح الانتصار لفكرة الهجين، ذلك في نصوص محمد المكي إبراهيم و نظرية (الهجين الثقافي) والحال يستمر عند النور عثمان أبكر (1938 – 2009م) في التبشير بفكرة الهوية الثنائية ومحاولة لإعادة بناء فيسيولوجيا الجسد الممتهن بشكل يبرهن على جماليته الداخلية رغماً عن مظهره، (فمملؤة الساقين أطفالاً خلاسيين (ود المكي) هي المرأة العارية عندد سنغور “يا امرأةٌ عارية يا امرأةٌ سوداءْ تكتسين لونَكِ الذي هو الحياة” .. اللون والتعلق بفكرة الصورة والشكل ..
✍️ Ihsanullah Osman
Abu Dhabi, August 2022
مصادر:
1- “صلاح احمد ابراهيم الغابة والصحراء – SudaneseOnline”،
2- قراءة في مذكرات محمد المكي حول تاريخ الغابة والصحراء – الصفحة 2 – سودانيات .. 23 مارس 2017.
3- الغابة والصحراء بين النقد الأدبي والنقد الثقافي – صحيفة الراكوبة مارس 2017 .
4- الغابة والصحراء.. نظرية عرقية في الهوية.. (2)
غسان على عثمان Sudanile
5- ذكرى الغابة والصحراء، محمد المكي ابراهيم، مركز عبد الكريم ميرغني، 2008م.